أحمد بن أعثم الكوفي
479
الفتوح
أفاق فنظر إلى الدم يسيل منه فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أظن والله أننا عنينا بهذه الآية من كتاب الله عز وجل إذ يقول : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب * ) ( 1 ) . قال : ثم أقبل على غلامه ، وقد بلغ منه الجهد ، قال : ويحك يا غلام ! اطلب لي مكانا أدخله فأكون فيه ، فقال الغلام : لا والله ما أدري أين أنطلق بك ! فقال طلحة : يا سبحان الله ! والله ما رأيت كاليوم قط ! دم قرشي أضيع من دمي ، وما أظن هذا السهم إلا سهما أرسله الله ، وكان أمر الله قدرا مقدورا . فلم يزل طلحة يقول ذلك ( 2 ) حتى فات ومات ودفن ، ثم وضع في مكان يقال له السبخة ( 3 ) ، ودخل من ذلك على أهل البصرة غم عظيم ، وكذلك على عائشة لأنه ابن عمها . وجاء الليل فحجز بين الفريقين . ذكر ما كان بعد ذلك . قال : فلما كان من الغد دنا القوم من بعضهم بعض ، وتقدمت عائشة على جملها عسكر حتى وقفت أمام الناس والناس من ورائها وعن يمينها وشمالها . قال : وصف علي رضي الله عنه أصحابه وعباهم كالتعبية الأولى ، وعزم القوم على المناجزة ، وتقدم كعب بن سور الأزدي حتى أخذ بخطام الجمل وجعل يرتجز ويقول أبياتا مطلعها :
--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 25 . ( 2 ) قيل إن طلحة خاف أن يموت وليس في عنقه بيعة ، فبايع لرجل من أصحاب علي لعلي ، وقد سمع وهو جريح يتمثل : فإن تكن الحوادث أقصدتني * وأخطأهن سهمي حين أرمي فقد ضيعت حين تبعت سهما * سفاها ما سفهت وضل حلمي ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بني سهم برغم أطعتهم بفرقة آل لأي * فألقوا للسباع دمي ولحمي ابن الأثير 2 / 338 مروج الذهب 2 / 404 . ( 3 ) السبخة : موضع بالبصرة .