أحمد بن أعثم الكوفي

281

الفتوح

ثم رجعنا إلى حديث الحرب . قال : ودنا المسلمون من الفرس والفرس من المسلمين فتراموا بالنشاب والنبل ساعة ، ثم إنهم تلاحموا فاختلطوا ، واشتبك الحرب بينهم من وقت بزوغ الشمس إلى قريب من الظهر . قال : وإذا رجل من عظماء الفرس من أهل تستر يقال له هرمك قد خرج فجعل يجول ويطلب البراز ، فخرج إليه شيخ من باهلة من بني حلوه ( 1 ) يقال له أوس على فرس له عجفاء ، فلما نظر إليه أبو موسى عرفه فناداه أن ارجع يا أخا باهلة ! فلست من أهل هذا الفارسي لأنك شيخ بال وأنت على فرس بال ، قال : فرجع الشيخ ولم يخرج ، وجعل الفارسي يطلب البراز ، فأحجم عنه الناس وخرج إليه الشيخ ثانية ، فرده أبو موسى ، فغضب الباهلي من ذلك ولم يلتفت إلى كلام أبي موسى ومضى نحو الفارسي ، فالتقيا بطعنتين ، طعنة الباهلي قتلته ، ثم أقبل راجعا نحو المسلمين ، قال : فقال له أبو موسى : يا أخا باهلة ! إن الأشعري لم يرد بكلامه إياك بأسا ، فقال الباهلي : ولا الباهلي أراد بأسا أيها الأمير ! قال : وتقدم جرير بن عبد الله البجلي حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى صوته : أيها المسلمون ! الجهاد ثوابه عظيم وخطره جسيم ، وهذا يوم له ما بعده من الأيام ، وقد دعاكم الله عز وجل إلى الجهاد ووعدكم عليه الثواب ، ونهاكم عن التثاقل وحذركم العقاب ، فاعملوا في يومكم هذا عملا يرضى به ربكم عنكم ، ألا وإني حامل يا معشر بجيلة فاحملوا . قال : ثم جعل جرير يرتجز ، قال : ثم حمل جرير من الميمنة وحمل النعمان بن مقرن من الميسرة واختلط الفريقان ، ودارت بهما الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم صدقهم المسلمون القتال والحملة وكبروا ، وإذا الهرمزدان قد ولى بين يدي أصحابه فاتبعته الأعاجم ، ووضع المسلمون فيهم السيف فقتلوا منهم في المعركة مقتلة عظيمة وأسروا منهم ستمائة رجل ، ودخل الهرمزدان وأصحابه إلى تستر بأشر حالة تكون وعامة أصحابه جرحاء ، ورجع المسلمون إلى معسكرهم ، وقدم أبو موسى هؤلاء الاسراء فضرب أعناقهم عن آخرهم . فلما كان من غد إذا برجل من الفرس من أهل تستر يقال له نسيبه بن دارنة قد

--> ( 1 ) كذا ، وليست في جمهرة أنساب العرب لابن حزم ولا جمهرة ابن الكلبي .