أحمد بن أعثم الكوفي
408
الفتوح
دمائنا وأموالنا بغير حق ، ثم إنك منعت العطاء عن الذين نفيتهم حتى ماتوا في بلاد الغربة بعيدين عن أولادهم وأعزائهم ، ولم يجدوا كفنا عند موتهم ، وإن هم وجدوا فكان من باب الصدقة عليهم ؟ فقال عثمان : إن الذين أخرجتهم من أوطانهم وأرسلتهم إلى نواح أخرى بسبب مصلحة رأيتها ، فقد كان ذلك الشخص يسيء لي القول باستمرار ، ويحرض الناس علي ، فرأيت أن يقيم في مكان آخر . ولو تركتهم في أماكنهم فإنهم سيثيرون علي الناس وينشرون الفرقة بين المسلمين ، فإن كان هذا ذنبا فلست بأول وال يدفع الإساءة عن نفسه بمثل هذا الذي تعتبرونه ذنبا علي . ولئن مات واحد من هؤلاء في الغربة فإن الله يحكم بيننا وإن رأيتم شخصا في حال الاغتراب وترونني مذنبا بإبعاده فابعثوا إليه وليحضر . وإن كنت قد ضربت أحدا ظلما فخذوا مني القصاص . فقالوا : إن عمار بن ياسر هو أول شخص سيقتص منك . فقال أمير المؤمنين : إن سبب ضرب عمار هو أنه تعجل وعبس في وجهي ونعتني بالظلم ولم يحفظ حرمتي . والآن الامر سهل . قولوا له : ليأت وليقتص مني ( 1 ) . أما قولكم عن عمالي فإن ترون أحدا منهم يعامل الرعية بصورة سيئة فاعزلوه ، وأما من وجدتموه مستقيما وعادلا فأقروه في عمله إن شئتم . ثم قالوا : ما قولك في الأموال التي هي أموال عامة وقد وزعتها بين أقاربك وأهل بيتك ؟ فقال : إن أمير المؤمنين عمر كان يتصرف هكذا : فقد كان يرجح في العطاء أهل الفضل والسابقة . فقالوا : يا عدو الله . إن أعطيات عمر لا تبلغ واحدا من مائة مما أعطيت ( ومعنى هذا الكلام أن أسرفت جدا ) . فقال لهم : حاسبوني ثم انظروا ما وهبته كم يبلغ وإني أتعهد أن أؤديه من مالي فإن بقي منه شيء أتعهد بسداده . أيها المسلمون : لماذا تريدون قتلي ؟ تجاوزوا عن هذا فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
--> ( 1 ) مر أن عثمان عرض على عمار ثلاث خصال : إما العفو ، وإما الدية وإما الاقتصاص منه . فرفض عمار القبول بأي منها .