أحمد بن أعثم الكوفي

173

الفتوح

الشام وهي جنة الدنيا لهؤلاء العرب وتخرج عنها بلا قتال ولا تعذر وتجتهد ؟ فقال له : ويحك يا شيخ ! فإلى كم تقاتلهم وأنت تعلم أنا قد قاتلناهم بتدمر وبأجنادين ومرج الأصفر وببعلبك ودمشق وفحل وبلد الأردن وأرض البلقاء ( 1 ) حتى أخذوا منكم مدينة مثل مدينة حمص وهي أفضل كورة لكم بالشام ، فقال له الشيخ : أيها الملك ! إنه ربما كان ذلك والعساكر تهزم وتهزم ، ولكن أشير عليك أن تبعث إلى جميع البلاد ممن هو على دينك فتحشرهم إليك ثم تلقى هؤلاء العرب بجيش عظيم لم تلقهم بمثله فيما مضى من الأيام التي مضت ، فان ظهرت فذلك الذي تريد ، وإن تكن الأخرى وهزمت علمت الروم أنك قد أبليت عذرا فلا يضعفون لك رأيا . قال : فعندها كتب هرقل إلى القسطنطينية ( 2 ) وإلى رومية ( 3 ) وعمورية ولهوانة واليعقوبية والسماوية والمسيحية وجماعة مدائن الروم فأمرهم بالمصير إليه . ثم كتب إلى أهل بيت المقدس وإلى قيسارية ( 4 ) وإلى أهل أرمينية والجزيرة أن لا يبقى أحد منهم ممن أدرك الحلم وحمل السلام وكان على دين هرقل إلا صار إليه ، فأجابته أهل دين النصرانية من جميع البلاد من أرض الشام وبلاد الشام وكور أرمينية وأرض الجزيرة ، فصار في خلق عظيم لا يحصيهم إلا الذي خلقهم ، ثم دعا بوزيره الأعظم واسمه ماهان ( 5 ) فتوجه بتاج ووصله بمائة ألف درهم وضم إليه مائة ألف من خواص جيشه ومن الذين يعتمد عليهم ثم قال له : اعلم يا ماهان ! ذكر وصية هرقل ملك الروم لوزيره الأكبر ماهان في أمر سفره إلى حرب المسلمين . قال : ثم أقبل هرقل إلى ماهان فقال له : اعلم أني اخترتك مقدما على جميع

--> ( 1 ) عند الأزدي 151 : وفي غير موطن من المواطن ، كل ذلك تنهزمون وتفرون وتغلبون . ( 2 ) قسطنطينية : كانت دار ملك الروم ، بينها وبين بلاد المسلمين البحر المالح ، وبينها وبين عمورية ستين ميلا ، وعمورية دون الخليج . ( 3 ) رومية : هناك روميتان ، إحداهما بالروم ، والأخرى بالمدائن . ورومية الروم هي مدينة رياستهم وعلمهم وهي شمالي وغربي القسطنطينية بينهما مسيرة خمسين يوما . ( 4 ) قيسارية : على ساحل بحر الشام ، تعد في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام . ( 5 ) بالأصل باهان ، وما أثبتناه عن فتوح الشام للواقدي 1 / 160 . وقد ورد في كل مواضع الأصل ( باهان ) وعند الأزدي وابن الأثير ( باهان ) .