علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )
723
الفصول المهمة في معرفة الأئمة
وقتلوا آخر كان معه ، وحمل الحسن ( عليه السلام ) على سرير من تلك الضربة إلى المدائن ( 1 ) فنزل بها على سعد بن مسعود الثقفي ( 2 ) وكان عاملا عليها من جهة أبيه عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فأقرّه الحسن على ذلك واشتغل الحسن ( عليه السلام ) بمعالجة جرحه . وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرّاً واستحثوه على سرعة سرعة السير ( 3 ) نحوهم وضمنوا له ( 4 ) تسليم الحسن ( عليه السلام ) عند دنوِّهم ( 5 ) من عسكره والفتك به ( 6 ) .
--> ( 1 ) المدائن جمع المدينة ، وكانت مدنأ كلّ واحدة إلى جنب أُخرى على جانب الجنوب من بغداد على مسافة 30 كيلو متراً ، وبقيت منها الإيوان المنسوبة إلى كسرى ، وقريبة منها قبر سلمان وحذيفة ( رضي الله عنه ) . ( 2 ) هو سعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار بن أبي عبيد كما جاء في تاريخ الطبري : 6 / 92 ، وجمهرة أنساب العرب : 257 ، ومستدرك الحاكم : 3 / 74 ، وابن الأثير : 3 / 175 ، وابن خلدون : 2 / 186 ، والإصابة ترجمة الحسن وابن الوردي : 1 / 166 ، المسير ورجال الكشّي : 112 / 179 ، والبحار : 44 / 60 / 8 ، وفي الأخبار الطوال : 217 وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 15 . ( 3 ) في ( أ ) : المسير . ( 4 ) في ( ب ، ج ) : إليه . ( 5 ) في ( أ ) : عند دنوّه منهم . ( 6 ) جاء في علل الشرائع : 1 / 220 ح 1 و : 84 طبعة قديمة ، والبحار : 44 / 33 / 1 : دسّ معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجّار بن أبجر وشبث بن ربعيّ دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه : أنّك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم وجند من أجناد الشام ، وبنت من بناتي ، فبلغ الحسن ( عليه السلام ) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وكفّرها وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك ، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللاّمة . . . نقول : استجابت النفوس المريضة لهذه الرشوة بنطاقها الواسع ولأساليب معاوية لأنه عرف الأشخاص الذين تشترى ضمائرهم بالمادة فبذلها لهم بسخاء ، وكذلك عرف الأشخاص الذين تشترى ضمائرهم بالمنصب وكذلك عرف الأشخاص الذين تشترى ضمائرهم بالمصاهرة والزواج من بناته . وهذا ممّا يدل على الخسّة والانحطاط في الرذيلة والموبقة . وهؤلاء من أمثال عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومي الكوفي والّذي كان عمره يوم وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) اثني عشر سنة ، وكان من الطلقاء الصغار ولّي الكوفة عن زياد وابنه عبيد الله والّذي توفّي سنة ( 75 ه ) كما ذكر ذلك صاحب تهذيب التهذيب : 7 / 17 . أمّا حجّار بن أبجر العجلي فقد كان أبوه نصرانياً فقال له : يا أبت أرى قوماً قد دخلوا في هذا الدين فشرفوا وقد أردت الدخول فيه ، فقال له أبوه : يا بني اصبر حتّى أقدم معك على عمر ليشرفك ، وإياك أن تكون لك همة دون الغاية القصوى ، ووفد على عمر فقال أبجر لعمر : أشهد ان لا إله إلاّ الله وأنّ حجّاراً يشهد أن محمّداً رسول الله ، فقال عمر : وما يمنعك أن تقولها أنت ؟ فقال أبجر : إنّما أنا هامة اليوم أوغد . . . وذكر المرزباني في معجم الشعراء أن أبجر مات على نصرانيته في زمن أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) قبل قتله بيسير ، ولمّا مات شيّعته النصارى ، وكان حجّار يمش في جانب مع أناس من المسلمين . . . انظر الإصابة : 1 / 373 . وجاء في بعض المصادر التاريخية : أن حجّاراً كان من الأشخاص الذين راسلوا سيد الشهداء الحسين ( عليه السلام ) بالقدوم إلى العراق ولمّا قدم ( عليه السلام ) العراق كان هذا الأثيم في طليعة الواثبين عليه . ولذا نجد أنّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) يخاطبهم بقوله : ويلكم ، والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمّنه في قتلى ، وإنّي أظنّ أنّي إن وضعت يدي في يده فأُسالمه لم يتركني أدين لدين جدّي ( صلى الله عليه وآله ) وإنّي أقدر أن أعبد الله عزّوجلّ وحدي ، ولكنّي كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطمعونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون ، فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون . ومن تأثير الرشوة على تلك النفوس المريضة قصة إرسال الإمام ( عليه السلام ) قائده الكندي في أربعة آلاف وأمره أن يعسكر بالأنبار وان لا يحدث شيئاً حتّى يأتيه أمره ، فلمّا نزل بها وجّه إليه معاوية رسولا وكتب معه : إنّك إن أقبلت إليَّ أُولك بعض كور الشام والجزيرة غير منفس عليك . وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم فقبض الكندي المال وانحاز إلى معاوية في مائتي رجل من خاصّته وأهل بيته ، فبلغ ذلك الحسن فقام خطيباً وقال : هذا الكندي توجّه إلى معاوية وغدر بي وبكم ، وقد أخبرتكم مرّة بعد مرّة أنّه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا ، وأنا موجّه رجلا آخر مكانه ، وإنّي أعلم أنّه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ولا يراقب الله فيَّ ولا فيكم . فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف وتقدّم إليه بمشهد من الناس وتوكد عليه وأخبره أنّه سيغدر كما غدر الكندي ، فحلف له بالأيمان الّتي لا تقوم لها الجبال أنّه لا يفعل ، فقال الإمام ( عليه السلام ) : إنّه سيغدر . . . وكتب إليه معاوية بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ، ومنّاه . . . فقلب على الحسن وأخذ طريقه إلى معاوية وبلغ الحسن ما فعل المرادي فقام خطيباً وقال : قد أخبرتكم مرّة بعد أُخرى انكم لا تفون لله بعهود وهذا صاحبكم المراديّ غدر بي وبكم وصار إلى معاوية . . . انظر الخرائج والجرائح ( المخطوط ) : 296 ، وكشف الغمّة : 154 ، والبحار : 44 / 43 و 33 / 1 ، 4 ، وشرح النهج : 16 / 42 ، أعيان الشيعة : 4 / ق 1 : 22 ، وعلل الشرائع : 1 / 220 / 1 ثمّ إنّ معاوية مدّ أُسلاك مكره إلى عبيد الله بن العبّاس فجذبه إليه ، وصار أُلعوبة بيده ، وقد خان عبيد الله بذلك ثقل رسول الله ، وترك موكب الحقّ والهدى بعد أن أرسل إليه معاوية رسالة مشاعر حيث قال فيها : " إنّ الحسن قد راسلني في الصلح ، وهو مسلّم الأمر إليَّ ، فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً ، وإلاّ دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الآن أن أُعطيك ألف ألف درهم ، أُعجّل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر . . . انظر الرسالة كاملة في نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد : 4 / 28 ، وانظر الإرشاد للشيخ المفيد : 2 / 12 و 13 والّتي يشير فيها قيس بن سعد ( رضي الله عنه ) في رسالته إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) ويخبره أنّ معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العبّاس يرغّبه في المصير إليه وضمن له ألف ألف درهم . . . لقد تمثّل في معاوية الكذب الصريح والمكر السافر في قوله " إنّ الحسن قد راسلني في الصلح . . . " لقد تسلّل عبيد الله إلى معاوية في غلس الليل البهيم ومعه ثمانية آلاف من الجيش من ذوي الأطماع والأهواء . . . وأصبحت البقية من الجيش تفتش عن قائدها ليصلّي بها صلاة الصبح فلم تجده ، فصلّى بهم قيس بن سعد ( رضي الله عنه ) ونظر في أُمورهم ، وملك قيس أحاسيس الجيش وشعورهم بخطابه المؤثر حيث قال : إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيراً قط ، إنّ أباه عمّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج يقاتله ببدر . . . وإنّ أخاه ولاّه عليّ على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين . . . وإنّ هذا ولاّه عليّ على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطاة وترك ولده حتّى قتلوا ، وصنع الآن هذا الّذي صنع . . . انظر الخطبة في مقاتل الطالبيّين : 73 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج : 16 / 40 ، ورجال الكشّي : 112 / 179 ، والبحار : 44 / 60 / 8 . وساعد الله قلب الإمام الحسن ( عليه السلام ) حينما انتهي إليه هذا النبأ المؤسف ، ولكن ازدادت بصيرة الحسن ( عليه السلام ) بخذلان القوم له وفساد نيات " المحكّمة " فيه . . . ولم يكتف معاوية بطعنه الجيش العراقي في صميمه بل سلك طرقاً أُخرى منها أشاع في المدائن أنّ قيّس بن سعد قد صالح معاوية وصار معهُ ، ولم يشكّ الجّيش في صدق هذه الدعاية لأنّ عبيد الله هو أمسّ الناس رحماً بالإمام وقد غدر به فكيف بغيره ؟ . . . هذا ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 8 / 14 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 191 . أمّا الدميري في حياة الحيوان : 1 / 57 فقد ذكر أنّ معاوية أذاع أنّ قيس بن سعد قد قُتل فانفروا . . . ومزّقت هذه الدعايات الكاذبة أعصاب الجيش ، وأماتت نشاطه العسكري وأصبح متفككاً تسوده الفتن والاضطراب ، ولم تنفع محاولات الإمام ( عليه السلام ) الّتي بذلها من أجل استقامتهم وصلاحهم . . . حقّاً لقد كان موقف الإمام موقفاً تمثلت فيه الحيرة والذهول ، ينظر إلى معاوية فيرى حربه ضرورياً يقضي به الدين ويلزم به الشرع ، وينظر إلى الانقلاب والتفكك الّذي أُصيب به جيشه وإلى المؤامرات المفضوحة إلى اغتياله فينفض يده منهم وييأس من صلاحهم ، ومع ذلك أراد أن يمتحنهم ليرى موقفهم من الحرب ، فأمر بعض أصحابه أن ينادي في الناس " الصلاة جامعة " فاجتمع الجمهور وقام فيهم خطيباً فقال : والله ما يثنينا عن أهل الشام شكّ ولاّ ندم ، وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في مسيركم إلى صفين وديتكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم . . . ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ، ولا نصفه ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه [ بظبا ] بظبات السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذناه بالرضا . . . ولما انتهى من كلامه ارتفعت الأصوات من جميع جنبات الجمع وهي ذات مضمون واحد . البقية ، البقية . . . انظر ابن الأثير في الكامل : 3 / 204 و 176 ط أُخرى ، وحماة الإسلام : 1 / 123 ، المجتنى لابن دريد : 36 . وروى ذلك الطبري في تاريخه : 6 / 96 ، وابن خلدون وغيرهم من المؤرّخين كأعلام الدين للديلمي ( مخطوط ) : 182 ، والبحار : 44 / 21 / 5 . ومع كلّ هذا تحوم حول صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) شبهات كثيرة اثارها أصحاب الظنون والأقوال كالصفدي مثلا في شرح لامية العجم : 2 / 27 والّذي خبط خبط عشواء حيث قال : وهذا الحسن بن عليّ قال لمعاوية : إن عليَّ ديناً فأوفوه عنّي وأنتم في حلٍّ من الخلافة ، فأوفوا دَينه وترك لهم الخلافة . . . نعوذ بالله من هذا الافتراء الكاذب ، ونقول للصفدي . متى باع الخلافة على خصمه بوفاء دَينه ؟ وهو الإمام المعصوم من الخطأ ولا يفعل إلاّ ما فيه الخير والصلاح لجميع الأُمّة . . . و . . . وعلى الصفدي مراجعة البخاري : 2 / 71 بإسناده عن الحسن قال : استقبل والله الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) معاوية بكتائب أمثال الجبال . . . وفي : 4 / 141 قريب من هذا ، وفي إرشاد الساري : 4 / 411 قال الكرماني : وقد كان يومئذ الحسن أحقّ الناس بهذا الأمر ، فدعاه ورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله ، ولم يكن ذلك لعلّة ولا لذلّة ولا لقلّة . . . ومثله في الاستيعاب : 1 / 385 حيث قال : " . . . دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله . . . وقد حذا فيليب متّى حذو الصفدي في كتابه العرب : 78 حيث قال فانزوى - يعني الإمام الحسن ( عليه السلام ) - عن الخلافة مكتفياً بهبة سنوية منحه إياها - يعني معاوية - . وهذا المستشرق ( روايت م . رونلدس ) تعرّض - في كتاب " عقيدة الشيعة " تعريب ع م ص - لصلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) وقال : إنّ الحسن كانت تنقصه - والعياذ بالله - القوة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح . . . وكذلك قال ( لامنس ) الانكليزي الحاقد على الإسلام قريب من كلام رونلدس وقد شحن دائرة المعارف الإسلامية : 7 / 400 بالأكاذيب والبهتان والتهريج على الإسلام وعلى الشيعة بالخصوص . انظر حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) لباقر شريف القرشي : 2 / 115 وما بعدها مطبعة الآداب النجف الأشرف . وهناك عوامل أُخرى أدّت إلى وثيقة الصلح من تضارب الحزبية في الجيش كالحزب الأُموي وأبناء الأُسر البارزة الذين لا يهمّهم غير الزعامة الدنيوية والظفر بالمال والسلطان كعمر بن سعد وقيس بن الأشعث وعمرو بن حريث وحجّار بن أبجر وعمرو بن الحجاج الذين كاتبوا معاوية سرّاً ووعدوه باغتيال الإمام أو تسليمه له أسيراً ، وكذلك الحزب الحروري الّذي استولى على عقول السذّج والبسطاء من الجيش ، وخيانة القادة أمثال عبيد الله بن العباس وخيانة ربيعة بقيادة خالد بن معمر الزعيم اللامع في ربيعة حيث اقبل إلى معاوية فقال له : أُبايعك عن ربيعة كلّها وبايعه على ذلك وفيه يقول الشاعر مخاطباً معاوية : معاوي أكرم خالد بن معمر * فإنّك لولا خالد لم تؤمر ولذا خاطب الإمام الحسن ( عليه السلام ) أهل العراق عندما سمع بذلك بقوله : يا أهل العراق أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ، ثمّ اختلفتم عليه ، وقد أتاني أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه ، فحسبي منكم لا تغرّوني في ديني ونفسي . . . وكذلك بايع معاوية سرّاً عثمان بن شرحبيل زعيم بني تميم ، كما ذكر ذلك صاحب أنساب الأشراف : ق 1 : 1 / 223 .