علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )

1097

الفصول المهمة في معرفة الأئمة

آتاه الله تعالى فيها الحكمة [ وفصل الخطاب ، وجعله آيةً للعالمين ] كما آتاها يحيى صبيّاً وجعله إماماً في حال الطفولية [ الظاهرة ] كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيّاً . وقد سبق النصّ عليه في ملّة الإسلام من نبيّ الهدى ( 1 ) عليه الصلاة والسلام ، ثمّ ( 2 ) من جدّه [ أمير المؤمنين ] عليّ بن أبي طالب [ ونصّ عليه الأئمّة ( عليهم السلام ) واحداً بعد واحد إلى أبيه ( عليه السلام ) ، ونصّ أبوه عليه عند ثقاته وخاصّة شيعته ، وكان الخبر بغَيبته ثابتاً قبل وجوده ، وبدولته مستفيضاً قبل غَيبته ] ومن بقية آبائه أهل الشرف والمراتب ، وهو صاحب السيف والقائم بالحقّ المنتظَر [ لدولة الإيمان ] كما ورد ذلك في صحيح الخبر ، وله قبل قيامه غَيبتان ( 3 )

--> ( 1 ) في ( أ ) : النبي محمّد . ( 2 ) في ( أ ) : وكذلك . ( 3 ) لكلمة الغَيبة هنا معنيان : انه ( عليه السلام ) يختفي بجسمه عن العيون ، مع كونه موجوداً ، فهو يرى الناس ولا يرونه ، كما أنّ العيون لا ترى الأرواح ولا الملائكة ولا الجنّ مع تواجدها في المجتمعات البشرية ، وقد تظهر الملائكة حتّى لغير الأنبياء كما ظهرت لسارة زوجة إبراهيم ( عليهما السلام ) ولمريم بنت عمران ( عليهما السلام ) أمّا للأنبياء فقد ظهر جبرائيل لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكذلك ظهرت يوم بدر للمسلمين . . . الخ . وهنالك أدلّة تثبت ذلك للإمام المهدي عجّل الله فرجه ، فقد ورد في كمال الدين : 381 ح 5 ، و 648 ح 4 ، و 319 بإسناده عن الريّان بن الصلت قال : سمعته يقول : سئل أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) عن القائم ( عليه السلام ) فقال : لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه . . . وأخرج عن الصادق ( عليه السلام ) قال : الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته . وعن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه . وهذا هو السبب الّذي جعل الإمام ( عليه السلام ) يختفي عن طريق الإعجاز الإلهي عن عيون الظالمين من بني العبّاس وبقية الظالمين ، وفي اختفائه هذا مأمن قطعي من أيّ مطاردة أو تنكيل ، وله أُسوة بجده ( صلى الله عليه وآله ) عندما غيّب عن أبصار قريش حينما اجتمعوا على قتله فقد خرج من بينهم وهم لا يشعرون . ولذا فهو ( عليه السلام ) محتجباً عن أعين الناس إلاّ أنّه كان يلتقي بخواصّه من المؤمنين الصالحين بحدود المصلحة ، فإن اقتضت الضرورة أن يظهر ظهوراً تامّاً تحقّق ذلك ثمّ يحتجب فجأةً فلا يراه أحد بالرغم من وجوده في نفس المكان ، وإذا اقتضت الضرورة أن يكون ظهوره لشخص دون آخر تعيّن ذلك . ومن أراد المزيد فليراجع تاريخ الغيبة الصغرى للسيّد محمّد الصدر : 314 فإنه ظهر ( عليه السلام ) لعمّه جعفر الكذّاب مرّتين ثمّ اختفى من دون أن يعلم أين ذهب ، وانظر النجم الثاقب للمحدّث النوري : 351 . ويتفرّع على هذا أنّ الناس يرونه ( عليه السلام ) بشخصه دون أن يعرفوه أو ملتفتين إلى حقيقته ، ولذا أصبح لا يكاد يتصل بالنّاس إلاّ عن طريق سفرائه الأربعة ، ثمّ تقدّمت السنيين وتقدّمت الأجيال فقلّ الذين عاصروا الإمام العسكري وشاهدوا ابنه ( عليهما السلام ) حتّى انقرضوا وأمّا الجيل الّذي يشكّل التيّار العامّ فلا يعرف أيّ سحنة وشكل إمامه عجّل الله فرجه بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتة إلاّ بإقامة الدليل القطعي ، وبهذا يمكن للإمام المهدي عجّل الله فرجه أن يعيش في أيّ مكان يختاره وتكون حياته عادية كحياة أيّ شخص يكتسب عيشه ويعمل . والأخبار بهذا واردة منها ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة : 221 عن السفير الثاني محمّد بن عثمان العمري أنه قال : والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه . ولهذا فإنّ الاختفاء بالجسم هو المأمن الوحيد عن الخطر . ولذا يقول ( عليه السلام ) لسفيره محمّد بن عثمان : فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه ، وإن وقفوا على المكان دلّوا عليه . انظر الغيبة للطوسي : 222 . ونحن لسنا بصدد بيان الأطروحات وأيهنّ أصحّ ولكن نرجّح الثانية من خلال ترجيح أكابر العلماء لها . أمّا ما ورد من شبهات وردود من قِبل بعض المشكّكين والحاقدين من أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ الإمام غاب في السرداب ، مع العلم أنه لا يوجد ولم يوجد أحد من الشيعة يعتقد بذلك . انظر تاريخ الغيبة الصغرى للسيّد محمّد الصدر : 563 وقصة السرداب هي من المخاريق والأباطيل الّتي اتّهمت الإمامية بها دون إنصاف لتشويه عقيدتهم المشرّفة . والسِرداب - بكسر السين - بناء تحت الأرض يُلْجأ إليه من حَرِّ الصيف وكانت أكثر البيوت والمساكن ولا زالت لحدّ الآن في المناطق الحارّة وغيرها مزوّدة بالسِراديب ، والسرداب لا يزال موجوداً في جوار مرقد الإمامين الهادي والعسكري ( عليه السلام ) وبناؤه تجدّد مرّات عديدة والمكان نفسه لا يتغيّر والزوّار يحترمون هذا السرداب لشرافته وقدسيته لأنه كان مسكناً لثلاثة من الأئمّة ( عليهم السلام ) وهنا يتمثّل قول الشاعر وما حُبُّ الديار شَغَفْن قلبي * ولكنْ حُبُّ مَنْ سكن الديارا ولكن انظر إلى قول المنحرفين والحاقدين وأصحاب الأقلام المأجوره تكتب شعراً ما آنَ للسِرداب أنْ يَلِدَ الّذي * سَمَّيتُمُوه بزعمكم إنساناً وبقيت هذه الأُكذوبة تتداول وتنتقّل من جاهل إلى حاقد ومن كذّاب إلى دجّال ، حتّى وصل الجهل بهم أن قال ابن خلدون في المقدمة : 359 إنّ السرداب في مدينة الحلّة بالعراق - الّتي تبعد عن سامراء ما يقارب 300 كيلومتر - وأضاف : أنّ الشيعة يأتون في كلّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب . . . ويصرخون وينادون يا مولانا اخرُج إلينا ! ويضيف ابن خلدون بأنّ الإمام المنتظر قد اعتقل مع أُمه في الحلّة وغاب فيها . . . ونحن لا نريد أن نعلّق على هذه الأكاذيب إلاّ أن نقول : ألا لعنة الله على الكاذبين . . . ألا لعنة الله على كلِّ مفتر أفّاك . ثمّ نقول : هل ذكر لنا ابن خلدون أحداً من مؤرخي الشيعة أو السنّة أنّ الإمام ( عليه السلام ) قد اعتُقل أو السلطة ألقت القبض عليه ولو مرّة واحدة بل ولو ساعة سواء في الحلّة أم سامراء أم بغداد ؟ ! وهناك قول آخر يذهب إليه السويدي في سبائك الذهب : 78 فيقول : وتزعم الشيعة أنه غاب في السرداب بسرّ من رأى والحرس عليه سنة ( 262 ه‍ ) . وهناك قول ثالث يقول في بغداد . . . وهاهو ابن تيمية يذهب إلى القول كما جاء في منهاج السنّة فيقول : إنّ الشيعة تعتقد أنّ الإمام باق في السرداب الواقع في سامراء وينتظرون خروجه . . . ومثل ذلك قول ابن حجر في الصواعق المحرقة : 100 . وسار القصيمي على منوالهم في كتابه الصراع بين الإسلام والوثنية : 1 / 374 . وانظر تعليق الشيخ الأميني ( رحمه الله ) في الغدير : 3 / 308 على هذا الافتراء الكاذب المصحوب بأقبح الألفاظ والّذي لا يصدر من أدنى مسلم نطق بالشهادتين . وعلى عكس هؤلاء المنكرين يوجد فريق آخر من المؤرّخين يؤمنون به وقالوا الكثير في حقّه من المدح والثناء ، ولسنا بصدد بيان كلّ من قال بحقّه عجّل الله فرجه بل نذكر طرفاً منهم على سبيل المثال لا الحصر مع ذكر مصادرهم علاوة على المصنّف ابن الصبّاغ المالكلي ( رحمه الله ) . محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول : 2 / 79 ، و : 78 ط الحجر ، القطب الراوندي في الخرائج والجرائح : 2 / 901 ، ابن العربي في الفتوحات المكّية : 3 / 429 - 430 ، العلاّمة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ : 324 ، ابن الأثير في تاريخه : 5 / 373 ، الشبراوي الشافعي في الاتحاف بحبّ الأشراف : 178 ، القرماني في أخبار الدول : 117 ، إسماعيل أبو الفداء في تاريخه : 2 / 52 ، الهاشمي الحنفي في أئمة الهدى : 138 ، ابن خلّكان في وفيات الأعيان : 2 / 451 ، الذهبي في تاريخ دول الإسلام : 5 / 115 ، يوسف النبهاني في جامع كرامات الأولياء : 1 / 389 ، البستاني في دائرة المعارف : 7 / 45 . وكذلك والشبلنجي في نور الأبصار : 342 - 349 ، العبّاس بن نور الدين في نزهة الجليس : 2 / 184 ، الشيخ المفيد في الإرشاد : 2 / 339 ، الإربلي في كشف الغمّة : 3 / 223 ، الزركلي في الأعلام : 6 / 309 و 310 ، الكاشفي في روضة الشهداء : 326 ، أحمد دحلان في الفتوحات الإسلامية : 2 / 322 ، ابن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب : 4 / 421 ، محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب : 473 وكذلك في البيان في أخبار صاحب الزمان : 81 - 160 ، القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة : 3 / 171 وما بعدها ط أُسوة ، و : 471 ط آخر .