علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )

1043

الفصول المهمة في معرفة الأئمة

خطبه ولم يكن لأمير المؤمنين عذر في ذلك ، فقال لهم المأمون : شأنكم وذلك متى أردتم فخرجوا من عنده . واجتمع رأيهم على القاضي يحيى بن أكثم ( 1 ) أن يكون هو الّذي يسأله ويمتحنه وقرّروا ذلك مع القاضي يحيى ووعدوه بأشياء كثيرة متى قطعه وأخجله ، ثمّ عادوا إلى المأمون وسألوه أن يعيّن لهم يوماً يجتمعون فيه بين يديه لمسألته ، فعيّن لهم يوماً فاجتمعوا في ذلك اليوم بين يدي أمير المؤمنين المأمون ، وحضر العباسيون ومعهم القاضي يحيى بن أكثم ، وحضر خواصّ الدولة وأعيانها من أُمرائها وحجّابها وقوّادها ، وأمر المأمون بأن يفرش لأبي جعفر محمّد الجواد ( عليه السلام ) فرشاً حسناً وأن يجعل عليه مسورتان ( 2 ) ، ففعل ذلك ، وخرج أبو جعفر فجلس بين المسورتين ، وجلس القاضي يحيى مقابله ، وجلس الناس في مراتبهم على قدر طبقاتهم ومنازلهم . فأقبل يحيى بن أكثم على أبي جعفر فسأله عن مسائل أعدّها له ، فأجاب ( 3 )

--> ( 1 ) هو يحيى بن أكثم التميمي القاضي كان متكلّماً ، عالماً فقيهاً في عصره ، أحد وزراء المأمون قاضياً في العراقيين . انظر ترجمته في ابن خلّكان والمسعودي والأعلام للزركلي . ( 2 ) مسور : متّكأ من جلد . وفي ( أ ) : مصورتان . . . المصورتين . ( 3 ) نورد نصّ المسألة الّتي أوردها يحيى بن أكثم وجواب الإمام ( عليه السلام ) له عنها وذلك من إرشاد الشيخ المفيد : 2 / 283 - 286 . قال يحيى بن أكثم للمأمون : يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر ؟ فقال له المأمونُ : استأذنه في ذلك ، فأقبلَ عليه يحيى بن أكثم فقال : أتأذنُ لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : سَلْ شِئْتَ ، قال يحيى : ما تقولُ جُعِلْتُ فداك في مُحرِم قبل صَيْداً ؟ فقال له أبو جعفر : قتلهُ في حِلٍّ أو حَرَم ؟ عالماً كان المُحْرِمُ أم جاهلا ؟ قتله عمداً أو خطاً ؟ حُرّاً أو خطاً ؟ حُرّاً كان المُحْرِمُ أم عَبداً ؟ صغيراً كان أم كبيراً ؟ مُبتدئاً بالقتل أم مُعيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيدُ أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مُصِرّاً على ما فَعَلَ أو نادماً ؟ في الليل كان قَتلَهُ للصيدِ أم نهاراً ؟ مُحرماً كان بالعُمرةِ إذْ قَتَله أو بالحجّ كان مُحرِماً ؟ فَتَحيَّرَ يحيى بن أكثم وبان في وجهه العَجْزُ والانقطاعُ ولَجْلَجَ حتّى عَرَف جماعةُ أهل المجلس أمْرَه ، فقال المأمونُ : الحمد للهِ على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثمّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم : أعَرفتُمُ الآن ما كنْتُم تُنكِروُنه ؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر ( عليه السلام ) فقال له : أتَخطُب يا أبا جعفر ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال له المأمونُ : اخْطُب جُعِلْتُ فداك لِنَفْسكَ فقد رضيتك لنفسي وأنا مُزوّجُك أُمّ الفضل ابنتي وإن رَغَمَ قومٌ لذلك . فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : الحمد لله إقراراً بنعمته ، ولا إلهَ إلاّ الله إخلاصاً لوحدانيته ، وصَلّى الله عَلى محمّد سيّد برّيته والأصفياءِ من عترته . أمّا بعد ، فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام ، فقال سبحانه : ( وَأَنكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ ) ثمّ إن محمّد بن علي بن موسى يَخطُبُ أُمّ الفضل بنت عبد الله المأمونِ ، وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد ( عليهما السلام ) وهو خمسمائة درهم جياداً ، فهل زَوّجْتَهُ يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟ قال المأمون : نعم ، قد زَوّجْتُك أبا جعفر أُمّ الفضل ابنَتي على هذا الصداق المذكور ، فهل قَبِلْتَ النكاح ؟ قال أبو جعفر ( عليه السلام ) قد قَبِلْتُ ذلك ورضيت به . فأمَرَ المأمون أن يقعدَ الناسُ على مراتبهم في الخاصّةِ والعامّة . قال الرّيان : ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تُشْبهُ أصْواتَ المَلاّحين في مُحاوراتهم ، فإذا الخدم يَجُرُّون سفينةً مَصْنوعةً من فضَّة مَشْدُودة بالحبال من الإبريسم على عَجل مملوءةً من الفاليةِ ، فأمَرَ المأمون أن تُخضَبَ لِحَى لخاصه من تلك الغاليةِ ، ثمّ مُدَّت إلى دار العامّة فطُيِّبوا منها ، ووُضِعَتِ الموائدُ فأكلَ الناسُ ، وخرجتِ الجوائزُ إلى كلّ قوم على قدرهم ، فلمّا تفرّق الناس وبقي من الخاصّة من بقي قال المأمون لأبي جعفر : إن رأيت جُعلت فداك أن تذكُرَ الفِقهَ فيما فصّلتهُ من وجوه قتل المُحْرم الصيدَ لنعلمه ونستفيدَه . فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : نعم ، إنّ المُحرمَ إذا قَتلَ صيداً في الحِلِّ وكان الصيدُ من ذوات الطير وكان كبارها فعليه شاةٌ ، فإن كان أصحابه في الحَرمَ فعليه الجزاءُ مضاعفاً ، وإذا قَتَلَ فرخاً في الحِلِّ فعليه حَملٌ فد فُطِمَ من اللبن وإذا قَتلَه في الحرمِ فعليه الحملُ وقيمة الفرخِ ، وإن كان من الوحش وكان حمارِ وَحش فعليه بقرةٌ وإن كان نعامةً فعليه بدنةٌ ، وإن كان ظبْياً فعليه شاةٌ ، فإن قَتلَ شيئاً من ذلك في الحَرَمِ فعليه الجزاءُ مضاعَفاً هدْياً بالغَ الكعبة ، أصابَ الُحرِمُ يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامُه للحجِّ نَحَرهُ بمنى ، وإن كان إحرامُه للعُمْرة نَحَرهُ بمكّةَ . وجزاءُ الصيد على العالِم والجاهل سواء ، وفي العَمدِ له المأثم ، وهو موضوعٌ عنهُ في الخطأ ، والكفارةُ على الحُرِّ في نفسه ، وعلى السيّد في عبده ، والصغيرُ لا كفّارة عليه ، وهي على الكبير واجبةٌ ، والنادمُ يسقطُ بندمه عنه عقابُ الآخرة ، والمُصِرُّ يجب عليه العقابُ في الآخرةِ . فقال له المأمون : أحْسَنْتَ أبا جعفر أحْسَنَ اللهُ إليك ، فإنْ رأيْتَ أن تسألَ يحيى عن مسألة كما سألك . فقال : أبو جعفر ليحيى : أسألُك ؟ قال : ذلك إليك جعلت فداك فإن عَرفتُ جوابَ ما تسألُني عنه وإلاّ ستفدتُه منك . فقال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : خَبِّرنْي عن رجل نَظَرَ إلى امرأة في أوّل النهار . . . الخ .