علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )

1025

الفصول المهمة في معرفة الأئمة

عشر يوماً ، ثمّ خرج ( 1 ) محمّد الأمين من الحبس وبويع له ثانية وبقي سنة وسبعة ( 2 ) أشهر وثلاثة وعشرين يوماً ، وقتله طاهر بن الحسين ، ثمّ ملك بعده المأمون - عبد الله المأمون - ابن هارون الرشيد عشرين سنة وثلاثة وعشرين يوماً واستشهد الرضا ( عليه السلام ) في أيّامه ( 3 ) .

--> ( 1 ) في ( أ ) : أخرج . ( 2 ) في ( ج ) : ستة . ( 3 ) تقدّمت استخراجاته ، وانظر على سبيل المثال كشف الغمّة : 2 / 311 و 312 ، إعلام الورى : 313 ، دلائل الإمامة : 175 . فالرشيد هو الّذي حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الإمامة . . . على حدّ تعبير الخوارزمي ، والّذي لم يكن يخاف الله ، وأفعاله بأعيان آل عليّ ( عليه السلام ) وهم أولاد بنت نبيّه . . . لغير جرم تدلّ على عدم خوفه من الله تعالى . انظر الفخري في الآداب السلطانية : 20 . ويقول أحمد شلبي في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية : 3 / 352 " كان الرشيد يكره الشيعة ويقتلهم " . وقد أقسم على استئصالهم وكلّ من يتشيّع لهم فقال " . . حتام أصبر على آل بني أبي طالب والله لأقتلنّهم ، ولأقتلنّ شيعتهم ولأفعلنّ وأفعلنّ . . . كما ينقله صاحب الأغاني : 5 / 225 . وقد أخرجهم جميعاً من بغداد إلى المدينة كرهاً لهم ومقتاً ، كما جاء في الكامل لابن الأثير : 5 / 85 وتاريخ الطبري : 10 / 606 . وقد وصفه صاحب العقد الفريد في : 1 / 142 بأنه كان شديد الوطأة على العلويين يتتبّع خطواتهم ويقتلهم . وأمر عامله على المدينة بأن يضمن العلويون بعضهم بعضاً كما يقول الكندي في الولاة والقضاة : 198 . وأمّا حياة الأمين فقد رفض النساء ، واشتغل بالخصيان ، ووجّه إلى البلدان في طلب الملهين واستخفّ حتّى بوزرائه ، وأهل بيته كما وصفه صاحب مآثر الإنافة : 1 / 205 ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : 201 ، ومختصر أخبار الدول : 134 ، والكامل لابن الأثير : 5 / 170 . وقد وصفه البلاذري في التنبيه والأشراف : 302 بأنه قبيح السيرة ، ضعيف الرأي ، سفّاكاً للدماء ، يركب هواه ويهمل أمره ويتكل في جليلات الأُمور على غيره . وأضاف القلقشندي في معالم الخلافة : 1 / 204 بقوله " منهماً في اللذات واللهو " . وفي مختصر أخبار الدول : 134 ، والآداب السلطانية : 212 بلفظ " لم يجد للأمين شيئاً من سيرته يستحسنه ، فيذكره " . أمّا إبراهيم فيقول فيه الطبري في تاريخه : 9 / 974 ، و : 10 / 25 ، وابن الأثير في الكامل : 4 / 295 ، وابن كثير في البداية والنهاية : 10 / 28 و 64 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 2 / 114 ، والنزاع والتخاصم للمقريزي : 45 ، والعقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي : 4 / 479 ، وشرح النهج للمعتزلي : 3 / 267 ، وضحى الإسلام : 1 / 32 " أمر بقتل كلّ من شكّ فيه ، أو وقع في نفسه شيء منه وإن استطاع أن لا يدع بخراسان من يتكلّم بالعربية إلاّ قتله فليفعل ، وأيّ غلام بلغ خمسة أشبار يتهمه فليقتله ، وأن لا يخلي من مضر دياراً . . . وإبراهيم هذا من أصحاب المزامير والبرابط ويقول فيه دعبل : نعر ابن شكلة بالعراق وأهله * فهفا إليه كلّ أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعاً بها * فلتصلحنّ من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل * ولتصلحن من بعده للمارق أنى يكون وليس ذاك بكائن * يرث الخلافة فاسق عن فاسق مُخارق وزُلزُل والمارق : هؤلاء الثلاثة كانوا مغنّي في ذلك العصر . انظر وفيات الأعيان : 1 / 8 ، الورقة لابن الجرّاح : 22 ، معاهد التنصيص : 1 / 205 ، الشعر والشعراء : 541 ، الكنى والألقاب للمحدّث الشيخ عباس القمّي : 1 / 330 ، شرح ميمية أبي فراس : 281 ، البداية والنهاية لابن كثير : 10 / 290 ، نزهة الجليس : 1 / 404 ، عيون أخبار الرضا : 2 / 166 . وقال دعبل عندما سمع بأنّ الخليفة لامال عنده ليعطي الجند الذين ألحّوا في طلب أعطياتهم قال : فليخرج الخليفة إلينا ، فليغن لأهل هذا الجانب ثلاث أصوات فتكون عطاءهم ، ولأهل هذا الجانب مثلها : يا معشر الأجناد لا تقنطوا * خذوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية * لا تدخل الكيس ولا تربط والمعيديات لقوّادكم * ومابها من أحد يغبط فهكذا يرزق أصحابه * خليفة مُصحفه البربط موقف الشيعة من بيعة المأمون للإمام الرضا ( عليه السلام ) بولاية العهد صحيح أنّ المأمون أقدم على قرار خطير في سنة ( 201 ه‍ ) إذ استدعى الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) وبايعه في ولاية العهد ، وأعلن أنه يعيد الحقّ إلى نصابه ، وأنه يصل الأرحام الّتي قطعت منذ سنوات عديدة كما يقول الجهشياري في كتابه الوزراء والكتّاب : 312 ، لكن هذا يثير تساؤلات كثيرة منها : هل أنّ المأمون أقدم على هذا العمل نتيجة ردّ فعل الحركات الشيعية الّتي شهدها العصر العباسي بشكل م وعصره بشكل خاصّ ؟ وهل كان المأمون صادقاً فيما أقدم عليه ؟ وهل كان اندفاعه هذا باقتناعه بأحقّية البيت العلوي بالخلافة ؟ أم كان كلّ ذلك سياسة ووسيلة لتدعيم نفوذه وتثبيت أركان خلافته ؟ وقبل الإجابة على هذه التساؤلات نبدأ باستعراض آراء المؤرّخين والكتّاب من كلّ الفرق والاتجاهات حتّى نستطيع أن نستشفّ الدوافع الحقيقية لبيعة المأمون بولاية العهد للإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) . يذكر الطبري في تاريخه : 7 / 135 وابن الأثير في الكامل : 1 / 111 واليعقوبي في تاريخه : 3 / 176 أنّ الدافع هو أنّ المأمون نظر في بني العباس وبني عليّ فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أورع ولا أعلم منه . ويرى أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين : 454 أنّ المأمون كان خلال صراعه مع أخيه الأمين قد عاهد الله أن ينقل الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب وأن عليّ الرضا هو أفضل العلويين إن ظفر بالمخلوع . ويذهب السيوطي في تاريخ الخلفاء : 307 مذهباً آخر وهو أنّ المأمون قد حمله على ذلك إفراطه في التشيّع ، حتّى قيل إنّه همَّ أن يخلع نفسه ويفوّض الأمر إليه - أي إلى الإمام الرضا - . وأمّا الفخري في الآداب السلطانية : 198 فيري أنّ المأمون فكّر في حال الخلافة بعده وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها لتبرأ ذمّته . ويرى الشيخ المظفّري في تاريخ الشيعة : 51 أنّ المأمون كان مدفوعاً في البيعة لعليّ الرضا بولاية العهد بدافع سياسي هو حماية مصالح الدولة العبّاسية ، لأنّ المأمون من رجال الدهاء والسياسة . ويرى كاتب آخر هو أنّ المأمون وضع الإمام الرضا تحت رقابة الخليفة ومنعه من القيام بحركة علوية جديده ذكر ذلك هاشم معروف الحسني في عقيدة الشيعة الإمامية : 161 . ويرى الدكتور النشّار في نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام : 2 / 391 أنّ المأمون أدرك خطورة الدعوة الإسماعيلية فأراد أن يقضي عليها وكان الإمام عبد الله الرضي بدأ نشاطاً واسعاً ولذا قرّب المأمون إليه عليّ الرضا وبايعه بولاية العهد . أمّا الإجابة على التساؤلات بعد عرض آراء المؤرّخين فنقول : إنّ المأمون كان قد برع في العلوم والفنون ولذا قال الدميري في حياة الحيوان : 1 / 72 : لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون . وقال عنه ابن النديم في الفهرست : 174 بأنه أعلم الخلفاء بالفقه والكلام . وقال عنه فريد وجدي في دائرة المعارف الإسلامية : 1 / 620 بأنه لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين أكفأ منه . وقد ورد في مناقب آل أبي طالب : 2 / 276 رواية عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) وهو يصف خلفاء بني العبّاس " سابعهم أعلمهم " ووصفوه بأنه داهية بني العبّاس . كما ذكر ابن عبد ربّه في العقد الفريد : 1 / 123 ، والجهشياري في الوزراء والكتّاب : 311 أنه يقتل الفضل ويبكي عليه ويقتل قتلته ، ويقتل الإمام الرضا ثمّ يبكي عليه ، ويقتل طاهراً ويولي أبناءه مكانه ، ويقتل أخاه ويوهم أنّ الذنب في ذلك على الفضل وطاهر ، وهذا ممّا يدلّ على دهائه وحنكته وسياسته . ونحن نميل إلى الرأي الّذي يقول إنّ اقدام المأمون على البيعة لعليّ الرضا بولاية العهد ونقله بذلك الخلافة من البيت العبّاسي إلى البيت العلوي كان بدوافع سياسية ، إذ أراد تدعيم خلافته وتجنّب قيام المزيد من الحركات الشيعية في وجهه ، كما أراد إرضاء أهل خراسان ، ولذا اتخذ مرو بخراسان مركزاً لخلافته ، لأنه تولّى الخلافة في فترة قلقة حرجة سادت فيها الاضطرابات والقلاقل في إرجاء الدولة وبدأت هذه الفترة عندما جعل الرشيد ولاية العهد لابنه الأمين سنة ( 173 ه‍ ) فقدّمه على المأمون رغم صغر سنة . وقد ندم الرشيد على ذلك في أواخر عهده كما يقول ابن الأثير في الكامل : 6 / 75 وأبو المحاسن في النجوم الزاهرة : 2 / 138 . ولذا في سنة ( 183 ه‍ ) بايع الرشيد لابنه المأمون وولاّه من حدّ همدان إلى آخر الشرق ، وقد عبّر عن هذا الندم بقوله للأصمعي - كما ورد في مروج الذهب للمسعودي : 3 / 363 - : قد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى من أرضى سيرته . . . ولم يقتصر الرشيد في تولية العهد لابنيه الأمين والمأمون بل تعدّى الأمر إلى ابنه القاسم الّذي ولاّه عهده بعد الأمين والمأمون وسمّاه المؤتمن وولاّه الجزيرة والثغور والعواصم . وهكذا قسّم الرشيد الدولة العبّاسية وهيّأ بذلك عوامل المنافسة والحسد بين هؤلاء الاخوة وغرس بذور الفتنة كما يذكر ذلك الطبري في تاريخه : 6 / 603 ، والمسعودي في المروج : 3 / 364 . ومن هذا وذاك يتضح أنّ المأمون أراد أن يأمن الخطر الّذي يتهدّده من قِبل تلك الشخصية الفذّة وحتّى لا ينظر الناس إلى أية بادرة عدائية منه لنظام الحكم القائم إلاّ على أنها نكران للجميل . وقد أشار المأمون إلى ذلك حيث صرّح بأنه خشي أن يترك الإمام على حاله أن ينفتق عليه منه ما لا يسدّه ويأتي منه عليه مالا يطيقه . . . وأن يجعل تلك الشخصية تحت المراقبة الدقيقة من الداخل والخارج ، ولذا زوّجه ابنته حتّى تكون رقيباً داخلياً موثوقاً عنده هو . . . ولم يكتف بذلك بل جعل هشام بن إبراهيم الراشدي من أخصّ الناس عند الرضا . . . وكان لا يتكلّم الإمام في داره بشئ إلاّ أورده هشام على المأمون وذي الرئاستين . . . كما ذُكر في مسند الإمام الرضا : 1 / 77 ، وعيون أخبار الرضا : 2 / 153 ، والبحار : 49 / 139 ، وانظر شرح ميمية أبي فراس : 304 وكشف الغمّة : 3 / 92 . وكذلك أراد المأمون أن يعزل الإمام ( عليه السلام ) عن الناس حتّى لا يؤثّر عليهم بما يمتلكه من قوة الشخصية وكذلك يعزله عن شيعته ليقطع الطريق عليهم ، ولذا نجد أنّ الإمام الرضا ( عليه السلام ) يكتب إلى أحمد بن محمّد البزنطي ويقول له : أمّا ما طلبت من الإذن عليَّ فإنّ الدخول إلىَّ صعب وهؤلاء قد ضيّقوا عليَّ في ذلك الآن ، فلست تقدر الآن وسيكون إن شاء الله . . . ذكر ذلك المامقاني في رجاله : 1 / 79 ، والصدوق في عيون أخبار الرضا : 2 / 212 . وخير دليل على عزل الإمام عن الناس هو إرجاعه عن صلاة العيد مرّتين ، وهذه مشهورة كما أشرنا إليها سابقاً ، وذكرها المسعودي في إثبات الوصية : 200 ، ومعادن الحكمة : 180 ، ونور الأبصار : 320 ، وإعلام الورى : 322 ، وروضة الواعظين : 1 / 271 ، وأُصول الكافي : 1 / 489 ، ومطالب السؤول : 85 ط حجرية . وربّما أراد من تقريب الإمام ( عليه السلام ) أن يجعل له شعبية واسعة ، وهذا ما أكّده أحمد الشيبي في الصلة بين التصوّف والتشيّع : 233 حيث قال : إنّ المأمون جعله وليّ عهده ، لمحاولة تألّف قلوب الناس ضدّ قومه العباسيين الذين حاربوه ونصروا أخاه . وبعد قليل نقف مع هذا كلّه وما هو موقف الإمام الرضا ( عليه السلام ) في مواجهة مؤمرات المأمون ويجعله يبوء بالخيبة والخسران ويمنى بالفشل الذريع حتّى لقد أشرف المأمون منه على الهلاك . أمّا الآن فنقف مع الدكتور أحمد أمين المصري في ضحى الإسلام : 3 / 295 الّذي يقول : إنّ المأمون قد أراد بذلك أن يصلح بين البيتين العلوي والعباسي ويجمع شملهما ليتعاونوا على ما فيه خير الأُمة وصلاحها وتنقطع الفتن وتصفو القلوب ، وأنه كان معتزلياً ويرى أحقّية عليّ وذرّيته بالخلافة ، وكذلك أنه وقع تحت تأثير الفضل والحسن بني سهل الفارسيّين . . . ونقول له : إنّ عقائد المأمون لم تكن هي المنطلق له في مواقفه السياسية بل نراه ينطلق بما هو يخدم مصالحه الخاصة حتّى أنه وصف الصحابة ما عدا الإمام عليّ ( عليه السلام ) بالملحدين ويصف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ب‍ " جُعَل " وأنّ المعتزلة لم تفضّل عليّاً على جميع الصحابة بشكل واضح وإنّما بدأه بشر بن المعتمر . أمّا ما يراه بعض المؤرّخين كجرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي : 4 / 439 ، وأحمد شلبي في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية : 3 / 320 ، وابن الأثير في الكامل : 5 / 123 ، وابن الطقطقي في الفخري في الآداب السلطانية : 217 والذين يرون أنّ الفضل بن سهل هو العامل الرئيسي في لعبة ولاية العهد فنقول : إنّ نسبة التشيّع للفضل هي نسبة غير صحيحة حتّى وإن تظاهر ، اللّهمّ إلاّ أن تكون مؤامرة بين الرجلين ، وذلك لأنّ بعض النصوص تفيد أنّ الفضل كان عدواً للإمام ( عليه السلام ) حيث إنه كان من صنائع البرامكة كما يقول الشيخ الصدوق عيون أخبار الرضا : 2 / 166 و 226 والمجلسي في والبحار : 49 / 143 ، 113 . والبرامكة أعداء أهل البيت ( عليهم السلام ) ولم يكن هو راغباً في البيعة للرضا ( عليه السلام ) وإنه وأخاه قد مانعا في عقد العهد للرضا كما ذكر أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين : 563 والشبلنجي في نور الأبصار : 316 ، والإربلي كشف الغمّة : 3 / 66 ، والفتال في روضة الواعظين : 1 / 269 ، والمفيد في الإرشاد : 310 . كلّ هذه المصادر تشير على أنّ الفضل من أعداء الإمام ومانع من ولاية العهد له فكيف يكون هو المشير على المأمون ؟ ولو كان ممّن يتشيّع فكيف يمكن أن يتآمر عليه ؟ وكيف ذهب إلى الرضا وحلف له بأغلظ الأيمان ثمّ عرض عليه قتل المأمون وجعل الأمر إليه ؟ ولكن بسبب وعيه وتيقّظه قد ضيّع عليه وعلى سيّده هذه الفرصة حيث أدرك أنها دسيسة ومؤامرة فزجر الفضل وطرده ثمّ دخل من فوره على المأمون وأخبره بما كان من الفضل . وهذا ممّا يدلّل على أنه أراد التمهيد للتخلّص من الرضا ليخلو له الجو . واستمرّ في أغراضه الدنيئة حتّى أنّ بعض المؤرّخين يرى أنّ المأمون لم يقتل الإمام إلاّ بتحريض من الفضل بن سهل ، وإذا كان الفضل ممّن يتشيّع فمن غير المناسب أن يخبر الإمام المأمون بما عرضه عليه الفضل من قتل المأمون ، كما ذكر الطبري في تاريخه : 11 / 1025 ط ليدن ، وأبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين : 565 ، والطبرسي في وإعلام الورى : 325 ، والإربلي في كشف الغمّة : 3 / 71 ، والفتّال النيسابوري في روضة الواعظين : 1 / 276 . وها هو المأمون برواية الريّان بن الصلت عندما رأى أنّ القوّاد والعامة قد أكثروا في بيعة الرضا وأنهم يقولون " إنّ هذا من تدبير الفضل " قال للمأمون ذلك فأجابه : ويحك يا ريّان ! أيجسر أحد على أن يجئ إلى خليفة قد استقامت له الرعية والقوّاد واستوت الخلافة فيقول له : ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك ؟ أيجوز هذا في العقل ؟ . . . انظر عيون أخبار الرضا : 2 / 151 ح 22 ، وحلية الأبرار : 2 / 348 ، وفيات الأعيان : 2 / 521 ، و : 3 / 84 ، و : 4 / 41 ، و : 5 / 357 ، و : 6 / 420 و 421 و 427 . أمّا الإجابة على السؤال الّذي طرحناه سابقاً وهو هل أنّ الإمام ( عليه السلام ) كان راضياً بها أم مكرهاً عليها ؟ المصادر التاريخية تحدّثنا على أنّ الإمام ( عليه السلام ) رفض قبولها أشدّ الرفض وبقي مدّة يحاول إقناعه بالقبول فلم يفلح ، وقد استمرّت محاولاته في مرو أكثر من شهرين والإمام ( عليه السلام ) يأبى عليه ذلك ، كما ورد في عيون أخبار الرضا : 2 / 149 ، والبداية والنهاية : 10 / 250 والآداب السلطانية : 217 ، وغاية الاختصار : 67 ، وينابيع المودّة : 384 ، وتاريخ الشيعة : 51 و 52 ، وروضة الواعظين : 1 / 267 ، وإعلام الورى : 320 ، وعلل الشرايع : 1 / 236 ، وأمالي الصدوق : 42 ، والإرشاد : 310 ، وكشف الغمّة : 2 / 65 و 66 والمناقب لابن شهرآشوب : 4 / 363 ، والكافي : 1 / 489 . هذه المصادر وغيرها تؤكد على أنّ الإمام الرضا رفض الولاية ولكن قبلها بعد التهديد ، ولذا قال المأمون له : ما استقدمناك باختيارك ، فلا نعهد إليك باختيارك ، والله إن لم تفعل ضربت عنقك . . . وقال الإمام ( عليه السلام ) : . . . قد علم الله كراهتي لذلك ، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل ، ويحهم . . . ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك ، على إجبار وإكراه ، بعد الإشراف على الهلاك . . . هذا جوابه ( عليه السلام ) على سؤال الريّان . أمّا جوابه لأبي الصلت فقال : وأنا رجل من ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أجبرني على هذا الأمر واكرهني عليه . . . وها هو أحمد أمين في ضحى الإسلام : 3 / 294 يقول : . . . وألزم الرضا بذلك ، فامتنع ثمّ أجاب . . . وقال القندوزي في ينابيع المودّة : 284 : إنه قبل ولاية العهد ، وهو باك حزين . . . وقال المسعودي في إثبات الوصية : 205 : . . . فألحّ عليه فامتنع ، فأقسم فأبرّ قسمه . . . وقال ( عليه السلام ) : . . . إنّي قد أجبت ، امتثالاً للأمر وإن كان الجفر والجامعة يدلاّن على ضدّ ذلك . إذاً لم يكن المأمون جادّاً في عرضه للخلافة ولا الإمام ( عليه السلام ) راضياً بها لأنّ ولاية الأمر هي من قِبل الله في الأصل لا من قِبل المأمون . وورد في أمالي الصدوق : 525 ح 13 قوله ( عليه السلام ) بعد أن رفع يديه إلى السماء وقال : اللّهمّ إنّك تعلم أني مكره مضطرّ ، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ عبدك ونبيك يوسف حين دفع إلى ولاية مصر .