الشيخ محمد حسين الحائري

445

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

خارجي فيرجح ما يوافقه دليل معتبر من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل على ما لا يوافقه لا يقال فالحجة إذن في الدليل المعتبر لا في الخبر المعتضد به لأنا نقول تعدد الدليل مما لا غبار عليه والاعتضاد موجب للوثوق بصحة أحد المتعارضين فيضعف معارضته عن مقاومته فيسقط عن درجة معارضته مع أن الدليل المعتبر قد لا يصلح لمعارضة المعارض كما لو كان الدليل مطلقا أو عاما أو الخبر مقيدا أو خاصا لكن يصلح المعارض لمعارضته لمساواته معه في الدلالة فيرجح عليه بعد الاعتضاد وأما الخبر الموافق لأصل البراءة أو أصل العدم ويقال له المقرر إذا عارض المخالف له ويقال له الناقل ففي الترجيح قولان فقيل يرجح المقرر ويبنى على تقديم صدور الناقل عليه ليكون كل منهما تأسيسا لما لا يثبت إلا به ولو رجح الناقل كان المقرر تأكيدا لما دل عليه العقل والتأسيس أولى منه ورد بمعارضة غلبة المقرر في الأحكام الشرعية والظن يلحق الشئ بالأعم الأغلب وفيه منع غلبة المقرر في الاحكام بحيث يفيد الظن بلحوق ما يجهل حاله به وقيل بترجيح الناقل لأنه يفيد ما لا يستفاد إلا منه بخلاف المقرر فحمل كلام الشارع عليه أولى لرجحان التأسيس على التأكيد ولأنه يقتضي تقليل النسخ لإزالته لحكم العقل بخلاف ترجيح المقرر فإنه يقتضي نسخ حكم الناقل بعد نسخه لحكم العقل ورد الأول بأنه إنما يتم إذا قدر تقدم المقرر وأما إذا قدر تأخره فلا أقول ويرد عليه أيضا لزوم أحد المحذورين من إلغاء المقرر بالكلية أو ارتكاب التأكيد والأول مع كونه أبعد من ارتكاب التأكيد مناف لما ذكره في الوجه الثاني والثاني كر على ما فر منه ورد الثاني بأنه مع استلزامه لنسخ الأقوى وهو دلالة العقل والنقل بالأضعف وهو دلالة النقل فقط إنما يتم إذا قلنا بأن رفع حكم العقل اللازم على القول الأول نسخ وليس كذلك ثم هذه الوجوه الراجعة إلى اعتبار النسخ إنما يجري حيث يتطرق إليه احتمال النسخ كما في الاخبار النبوية فينبغي التفصيل حينئذ باعتبار صور العلم بالتاريخ وعدمه فيؤخذ بالمتأخر مع العلم به فتجعل ناسخا للمتقدم وأما حيث لا يتطرق إليه هذا الاحتمال كما في الاخبار المأثورة عن الأئمة فلا يجري فيه فالوجه فيها العمل بالمقرر لاعتضاده بالعقل وأما ترجيح الناقل لكونه أولى من حيث كونه تأسيسا فما لا يعتد به الاعتبار الصحيح في مثل المقام ولا يذهب عليك أن الخبر المعتضد بها لمرجح أعني الأصل يخرج عن كونه دليلا اجتهاديا على الحكم ويصير من أدلة الظاهرية التي يعبر عنها بالأدلة الفقاهة كالأصل ومثله الخبر المعتضد بالاحتياط لو قلنا بتقديمه على غيره وهذا بخلاف ما لو اعتضد أحد الخبرين بسائر المرجحات كالشهرة وموافقة الكتاب ومخالفة العامة ونحو ذلك وذلك لأن هذه المرجحات تفيد في أنفسها الظن بصحة الصدور أو المراد أو المطابقة للواقع بخلاف المعتضد بالأصل والاحتياط فوزان هذين المرجحين وزان اختيار العمل بأحد المتكافئين فإن الاختيار لا يفيد الظن بصحة الصدور أو المراد أو المطابقة بل مجرد وجوب العمل بالمقتضى ويمكن أن يقال حينئذ فإنا نطرح الخبرين ونعمل بالأصل الموافق لأحدهما وفيه بعد وقد يرجح الدال على التحريم على الدال على الإباحة دفعا للضرر ولقوله عليه السلام ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال وكلاهما ضعيف إذ لا ضرر مع عدم البيان والظاهر من اجتماع الحرام والحلال اجتماع أعيانهما لا احتمالهما ويرجح المعتضد بالشهرة على غير المعتضد بها لقوة الظن في جانب المشهور و مثله ما لو كان أحد الخبرين موجودا في كتاب معتمد عليه كأحد الكتب الأربعة والاخر في غيرها كالمحاسن وكذلك الموجود فيما هو أكثر اعتمادا على الموجود فيما هو أقل اعتمادا وفي ترجيح ما اعتضد بالاحتياط على ما لم يعتضد به وجه قوي كما دل عليه بعض الأخبار السابقة لكن ينبغي تخصيصه بما إذا كان التعارض في جزئية شئ أو شرطيته لعبادة أو معاملة أو إيقاع أو ما أشبه ذلك وأما فيما عدا ذلك فالوجه عدم وجوب الاحتياط ويمكن حمل الامر بالاحتياط على الاستحباب لضعف مستنده وعدم الجابر وهذا أولى ويظهر من رواية الحسن بن الجهم المتقدمة ترجيح المعتضد بالقياس على الحكم الثابت بالكتاب أو الحديث المأثور عنهم عليهم السلام على غيره وله وجه ولا ينافيه الأخبار الدالة على عدم حجية القياس لان الحجية غير المعاضدة وقد يرجح المعلل على غيره والمقرون بتأكيد لفظي أو معنوي على المجرد منه لكونه أقرب إلى البيان والايضاح وأبعد عن الخطأ واعلم أن هذه الوجوه منها ما هو منصوص ومنها ما ليس بمنصوص وفي تقديم المنصوص على غيره وجه مر التنبيه عليه وأما إذا تعارض المنصوص أو غير المنصوص مع مثله رجح الأقوى كما سلف هذا وقد يلحق صورة وجود المرجح بصورة التكافؤ فيلتزم بالتخيير أو الوقف قياسا له على الشهادات المتعارضة حيث لا يعتبر فيها المرجح وضعفه واضح لبطلان القياس أولا وللمنع من عدم اعتبار المرجح في المقيس عليه مطلقا ثانيا ولقيام الفارق ثالثا وهو أن حجية الشهادة تعبدية محضة بخلاف خبر الواحد فإن للظن مدخلا في حجيته ولو سلم فقد نصب الشارع له مرجحات ونص على اعتبارها فالقياس في مقابلته باطل فصل وإذا تعارض الخبران وتكافئا إما لفقد المرجح أصلا أو لوجود مثله في الاخر فالمعروف بين أصحابنا التخيير في العمل بهما بل قال في المعالم لا نعرف في ذلك مخالفا من أصحابنا وهذا هو المختار للأخبار المتقدمة الدالة على التخيير وضعف أسانيدها منجبر بالعمل ولا ينافيه أخبار التوقف والارجاء لأنها إما أن تنزل على