الشيخ محمد حسين الحائري
442
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الاحتياط حيث يعتبر فالتحقيق عدم صلوح ذلك مرجحا للإرادة فيتعين التوقف في مقام التخصيص نعم يتجه في مقام العمل الاخذ بما يوافق أحدهما أخذ بأقوى الدليلين إلا أنه لا يكون حينئذ دليلا اجتهاديا كما في صورة الاخذ بأحدهما من باب التخيير لفقد المرجح بالكلية وكذا لو اعتضد أحدهما بقوة السند ولو من جهة شهرة النقل أو مخالفة العامة في وجه قوي فإن ذلك بمجرده لا يصلح قرينة على إرادة العموم والتخصيص وإن وجب الاخذ بما يوافق أحدهما كما مر واعلم أيضا أن العبرة في المرجحات المعتبرة في ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الاخر إنما هو بما يقوى معه الظن بصحة صدور الخبر وهذا المعنى قريب إلى مساق الأخبار الواردة في هذا الباب بل هو المظنون منها كما يرشد إليه اختلافها في ذكر المرجحات وتنزيلها على وجوب الاخذ بها تعبدا لعله بعيد ولا يكاد يظهر ثمرة للوجهين إذ المرجحات المذكورة فيها نصا أو ظهورا من أعدلية الراوي وأوثقيته وأفقهيته ومن موافقة الخبر الكتاب أو السنة خصوصا أو عموما أو مشابهة لأحدهما ومعاضدته للشهرة فتوى أو رواية أو للاحتياط ومخالفته لمذهب العامة أو لما هم إليه أميل أقوى من سائر المرجحات التي تذكر في الباب وأما إذا تعارض بعض هذه المرجحات مع بعض فلا إشكال في ترجيح الأقوى منها في النظر لخلو أخبار الباب عن بيان حكمه فيرجع فيه إلى الظن لما مر ثم على ما قررنا لا يكاد يوجد أحد المرجحات الظنية على أحد الخبرين مع كون الظن بالحكم المستفاد من الاخر أقوى ولو قدر وقوعه فاليرجح للخبر المعتضد بمرجح ظني إذ لا عبرة بالظن بالحكم ما لم يؤد إلى الظن بالدليل وقد يتوهم التنافي بين الظنيين ويدفعه تعدد الموضوع ولهذا قد يقطع ببطلان الدليل ويظن بصحة مقتضاه كالقياس والاستحسان وذهب الفاضل المعاصر إلى ترجيح الظن بالحكم على الظن بالدليل عند التعارض لان الأول خاص لاقتضائه ترجيح الخبر الخاص بالمسألة الخاصة والثاني عام لدلالته بالعموم على ترجيح المعتضد بالامارة الخاصة على غيره ولان الخبر الوارد في العلاج لا يفيد الظن حينئذ أصلا لان المراد اختبار ما هو أقرب إلى الواقع لا ما هو أقرب إلى الصدور فإنه بمجرده لا يجدي لجواز الاستناد إلى التقية ونحوها ولأن ما دل على ترجيح الدليل المعتضد بالامارة الخاصة دليل ظني وهو الخبر الوارد في العلاج فلا يقاوم ما دل على حجية ظن المجتهد بالحكم من الدليل العقلي أعني دليل انسداد باب العلم وبقاء التكليف الموجب عند العقل لفتح باب الظن فإن العمومات العقلية لا تصلح للتخصيص بالقطعي فضلا عن الظني ورد القول بثبوت حجية خبر الواحد بالاجماع والآيتين بأنهما بعد تسليم مساعدتهما على إثبات حجيته إنما يثبت بهما حجيته في الجملة ولو سلم فلا بد من إثبات حجية أخبار العلاج بهما وهي متعارضة ولا سبيل إلى إثبات حجيتها مطلقا لامتناع العمل بها مع تعارضها فإن رجح بعضها بتلك الأخبار فمع تطرق المنع إلى عمومها لذلك ربما يوجب الدور وإن رجح لأمر خارج فليس إلا العمل بالظن لا الخبر من حيث هو خروج عن محل الفرض هذا ملخص كلامه أقول ما ذهب إليه من ترجيح الظن بالحكم على الظن بالدليل مطلقا منحرف عن مسلك السداد وما تمسك إليه من الوجوه متضحة الفساد أما الأول فلان الفرض حصول الظن بحجية الدليل الخاص وهو كالظن بثبوت الحكم الفرعي الخاص في أن كلا منهما ظن خاص متعلق بحكم شرعي ومجرد كون دليل الأول عاما غير قادح في مقاومته للثاني بعد فرض حصول الظن به في مورده الخاص ولئن منع حصول الظن به خرج عن محل الفرض إذ البحث على تقدير حصوله ولئن رجح الثاني بأنه ظن أقوى من الأول فمع خلو كلامه عنه مدفوع بأنه غير مطرد بل قد يتساويان أو يترجح الأول فيبطل دعوى إطلاق الترجيح وأما الثاني فلان المعتبر في باب التراجيح ما هو أقرب إلى الواقع عند الشارع لا عند المجتهد فلا ينافي اعتباره لامارة خاصة مخالفة لظن المجتهد فظنون المجتهد وإن كان أقرب عنده إلى الواقع إلا أن العمل بالامارة المخالفة لها مما يجوز أن يكون أقرب عند الشارع يدلك على ذلك عدم اعتداده بالقياس والاستحسان وإن أفاد الظن بمؤداهما وبشهادة العدل الواحد والفاسقين وإن أفادا ظنا أقوى من شهادة العدلين واعتباره للأصول الظاهرية وإن كان مؤداها موهوما في نظر العامل بها إلى غير ذلك نعم يجوز أن يكون الترجيح بما هو أقرب عند المجتهد أقرب عند الشارع لكن مجرد الجواز لا يجدي ولئن ادعي ثبوته في المقام وجعل من تتمة الدليل كان مصادرة لان الكلام في إثباته مع أنا نمنع انحصار الوجه في التراجيح فيما هو أقرب إلى الواقع عند الشارع أيضا لجواز أن يكون هناك وجه آخر يقتضي الترجيح أيضا كما يرشد إليه تشريع الأصول الظاهرية في أظهر الوجهين وأما الثالث فلان انسداد باب العلم في الاحكام الفرعية إنما تقتضي حجية ظنون خاصة فيها وهي الظنون التي لا دليل على عدم حجيتها وإن كان ظنيا إذا كان الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من دليل الحكم لان هذا هو القدر المتيقن من دليل الحكم وليس هذا من باب التخصيص بل الاختصاص فإن الحكم العقلي لم يكن في نفسه عاما حتى يخص بل مختص بعنوان خاص وهو ما ذكرناه ولا يخفى ما فيه لان الاعتداد بالظن مبني على بقاء التكليف وانسداد باب العلم فإذا فرض تحققهما بالنسبة إلى الاحكام الفرعية خاصة لزم حجية الظن فيها خاصة لان في حجية الظن بها وعدمها بل التحقيق أن يقال مستند حجية الظن من انسداد باب العلم وبقاء التكليف أمر مشترك بين الاحكام الأصولية و