الشيخ محمد حسين الحائري

437

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر قلت فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا قال إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ووجه الدلالة أن هذه الرواية قد تضمنت وجوب الاخذ بالحكم الذي اعتضدت الرواية الدالة عليه بأحد الوجوه المذكورة عند اختلاف الحكمين فيستفاد منها وجوب الاخذ بها وإن تجردتا أو إحداهما عن الحكم فإن ترجيح الحكم لترجيح دليله لكن يشكل ظاهر الرواية من وجوه منها أن وظيفة المتحاكمين الرجوع إلى الحاكم الشرعي وليس وظيفتهما النظر في حجته على الحكم كما دلت عليه الرواية وإنما النظر فيها شأن الحاكم بل المدعي إذا راجع الحاكم المنصوب ألزم المنبر بالحضور معه ومضى حكمه عليه وإن لم يرض به ولا يقدح فيه ضعف مستند الحاكم في زعمهما ما لم يقطع بفساده ويمكن التفصي عن ذلك بتنزيلها على أحد الامرين الأول أن المراد بالتحاكم الرجوع إلى المفتي في معرفة حكم الواقعة كما لو اشترك جماعة في عقار فباع أحدهم نصيبه منها فراجع المشتري من ينفي في ذلك حق الشفعة فأثبت يده عليه بتقليده وراجع الشريك من يثبتها فيه فأراد رفع يد المشتري بتقليده ففي هذه الصورة يلاحظ المرجحات المذكورة في اختيار أحد الحكمين ويشكل بأن هذا التنزيل لو تم لوجب مراعاة الوجوه المذكورة في تقليد المجتهد في سائر الأحكام مطلقا أو مع الاختلاف ولا قائل به ظاهرا وربما أمكن تخصيصه بما يؤدي إلى التخاصم والتنازع كما هو مورد الرواية لكنه بعيد جدا نعم يمكن أن يقال لما كان الاخذ بفتوى الرواة المجتهدين في الصدر الأول جائزا كالاخذ بروايتهم أمر عليه السلام أولا بالأخذ بقول الأعدل والأفقه منهما فإن تساويا ترك فتواهما وأخذ بروايتهما بترجيح المشتمل على أحد المرجحات المذكورة ومع عدم المرجح فالتخيير الثاني حمل الحاكم فيها على حاكم التحكيم فيختص بزمن الحضور دون المنصوب خصوصا أو عموما وحينئذ فلا يلزم للمتحاكمين حكمه مع عدم تراضيهما معا به قبل الحكم قطعا وبعده بناء على اشتراط ذلك في إمضاء حكمه ومنها أن الحاكم العامل بالرواية الخالية عن بعض الوجوه المرجحة إن لم يكن مجتهدا فلا عبرة بحكمه وإن كان مجتهدا فكيف لم يعثر على الرواية المعارضة المشتملة على الوجه المرجح لوجوب الاستفراغ عليه والتتبع الموجبين للعثور عليها عادة لا سيما إذا كانت مشهورة معروفة كما ذكر في بعض وجوه الترجيح مع أنه لا بد حينئذ من تنبيهه عليها ليتردد أو يوافق ولا إشارة في الرواية إليه ويمكن دفعه بعد اختيار كونه مجتهدا أنه لا يعتبر في المجتهد الوقوف على جميع مدارك المسألة وأخبارها ولا على جميع الوجوه المعتبرة في الترجيح واقعا لجواز عدم بلوغ البعض إليه أو غفلته عنه كما اتفق ذلك في حق جماعة من أصحابنا كما يظهر بالتتبع ووجوب التنبيه على ذلك ممنوع مع أن اطلاع الحاكم على الرواية المعارضة لما يعمل به عند غيره لا يوجب كونها معارضة له عنده لجواز قصورها في نظره عن المعارضة بتنزيله إياها على ما لا ينافي لما عمل به لاختلاف الافهام في فهم مداليل الكلام أو لوجود مرجحات ظفر بها بالتتبع موجبة لرجحان ما عمل به عنده لم يعثر عليها المتحاكمان ومن هنا نرى أن بعض الأصحاب يدعي الشهرة في مسألة على حكم ويدعيها الاخر فيها إلى خلافه وبعضهم يعدل بعض رجال الرواية والاخر يقدح فيه إلى غير ذلك ومنها أن إلزام المتحاكمين بالرجوع إلى المرجحات عند اختلاف الحكمين غير مستقيم غالبا لأنهما كثيرا ما يكونان عاميين فيتعدد في حقهما اعتبار المرجحات المذكورة ويمكن دفعه بتخصيصه بالمتمكن كما هو الظاهر من مساق الرواية مع احتمال رجوع العامي في ذلك إلى نقل العارف الثقة وتدبر وعن الشيخ الطبرسي في الاحتجاج عن سماعة ابن مهران قال سألت أبا عبد الله عليه السلام قال قلت يرد علينا حديثان واحد يأمر بالعمل به والاخر ينهانا عن العمل به قال لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأله عنه قال قلت لا بد أن تعمل بأحدهما قال اعمل بما فيه خلاف العامة وعنه فيه عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام قال قلت يجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة قال ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله تعالى وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منا وإن لم يكن يشبههما فليس منا فقلت يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق فقال إذا لم تعلم فوسع عليك بأيهما أخذت وعن ابن جمهور في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا عن زرارة بن أعين قال سألت الباقر عليه السلام فقلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما أخذ فقال يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر فقلت يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك فقلت إنهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال انظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ ما خالفه فإن الحق فيما خالفهم فقلت ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع فقال إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الاخر فقلت إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع فقال إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الاخر ثم قال في الكتاب المذكور وفي رواية أنه عليه السلام قال إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله وفي الكافي في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمره