الشيخ محمد حسين الحائري

428

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

مدار حصوله كما في سائر الشرائط التي تعتبر في التكليف ومن هذا البيان يظهر وجه المعذورية في مسألتي الجهر والاخفات والاتمام في محل القصر لان وجوبهما لما كان مشروطا بعلم المكلف به تفصيلا لم يحكم بعصيان الجاهل المقصر فيهما ولا ببطلان صلاته إلا أن يكون تقصيره بحيث يفوت في حقه قصد القربة فيكون البطلان من جهة فواتها خاصة ولو فرض كون الجاهل غافلا عن إجمال التكليف أو أنه حصل من الاحكام قدرا اطمأنت نفسه بأن فيه الكفاية أو علم الحكم على خلاف الواقع أو ما أشبه ذلك فلا ريب في معذوريته بالنسبة إلى مرحلة التكليف ولا يخالف في ذلك أحد من العدلية لكن لما كان الفرض نادرا أو ردوا الكلام على ما هو الغالب يرشدك إلى ذلك تعليلهم عدم المعذورية بتقصير الجاهل في أمر التعليم واعلم أيضا أن جماعة من أصحابنا صرحوا بأن الناس في أمثال زماننا صنفان مجتهد ومقلد له وأن عبادة الخارج من الفريقين باطلة وظاهرهم البطلان وإن كان غافلا عن وجوب تقليد المجتهد وشك بعد العمل في المطابقة بل وإن علم بها وزعم بعض المعاصرين أن حكمهم بالبطلان هنا يرجع إلى ما ذكره الأصحاب من عدم معذورية الجاهل إلا في المقامين وهذا غير واضح لأن الظاهر من كلام الأصحاب عدم معذورية الجاهل في صورة المخالفة لا الموافقة فإن هذا هو المفهوم من المعذورية وقضية إطلاق كلام هؤلاء البطلان وإن وافق الواقع فكيف يستقيم دعوى رجوع أحد العنوانين إلى الاخر نعم لو ثبت اشتراطهم في صحة عبادة العامي أخذه من المجتهد مطلقا وإن كان غافلا عن وجوب الاخذ منه اتجه اندراج محل البحث في عموم عنوانهم نظرا إلى فوات شرط التقليد فيكون أحد جزئياته وهذا على تسليمه لا يوجب توافق العنوانين وذهب المحقق الأردبيلي إلى الصحة مع موافقة الواقع وذهب المعاصر المذكور إلى الصحة وإن علم بمخالفة الواقع ما لم يكن متفطنا لوجوب التقليد مقصرا في الرجوع إلى المجتهد فحكم حينئذ ببطلان عبادته وتحقيق المقام وتوضيح المرام أن العامل إذا أتى بعبادة على كيفية مخصوصة فهناك صورة عديدة منها أن يأتي بها عالما بشرعيتها كذلك بطريق معتبر كالاجتهاد والتقليد ولا إشكال في صحة علمه حينئذ سواء بقي على علمه وإن اختلف المدرك أو زال عنه ما لم يعلم بالخلاف ومنه ما لو قطع ببطلان الطريق كما لو عول المقلد على نقل ثقة ثم انكشف له خطاؤه في النقل أو على ظاهر كلام المفتي أو الناقل ثم انكشف له عدم إرادته فإنه يحكم حينئذ بفساد العمل إذا كان المخالفة فيما لا يعذر فيه الجاهل وكذا الحال فيما لو علم المجتهد ببطلان دليله الاجتهادي واقعا وقد سبق بيانه في بحث الاجتهاد ولو شك العامل في أهليته للاجتهاد وعدمها استصحب الحالة السابقة منهما والأحوط الرجوع إلى أهل الخبرة ولو جمع حينئذ بين الاجتهاد والتقليد حيث يتوافقان بأن أتى بالعمل معولا فيه عليهما معا ففي جوازه إشكال منشؤه عدم كونه حينئذ أخذا بشئ منهما بل بالمجموع وهو أمر خارج ولا يقين بالبراءة معه ولو أتى بالعمل حينئذ معولا فيه على الاعتبار الثابت في حقه واقعا من الاجتهاد والتقليد فالوجه جوازه لاخذه بما يجب عليه الاخذ به واقعا وإن جهل تعيينه أو لم يعتبره إذ لا دليل على اشتراطه ومنها أن يأتي بالعمل بطريق لا يعلم باعتباره شرعا سواء كان معتبرا في نفسه أو لا ولا ريب في بطلان العبادة حينئذ لفوات قصد القربة ومنها أن يأتي بالعمل عالما بشرعيته بطريق غير معتبر كما لو عول على فتوى من زعم كونه أهلا للرجوع إليه مع عدم الأهلية كتعويل كثير من العوام على ما يرشدهم إليه آباؤهم وكبراؤهم الغير المجتهدين مع غفلتهم عن وجوب الرجوع إلى المجتهد أو الناقل المعتبر وكتعويلهم على نقل الفاسد المجهول أو الظان للفتوى من غير طريق معتبر عند التمكن من مراجعة المفتي أو الناقل العدل العالم مع عدم حصول العلم لهم بنقله أو أتى بالفعل معولا فيه على ظنه أو حدسه معتقدا جواز التعويل عليه ثم إن استمر على ذلك إلى أن مات فلا حاجة لنا بالبحث عن حاله وإنما حسابه على ربه نعم ربما يحتاج إلى معرفة حكمه بالنسبة إلى ما يتعلق بماله أو بوصيته كما لو أوصى بأن يقضى ما فات عنه من العبادات فيستعلم حكمه من القسم الآتي وإن تنبه واستبصر وجب عليه أن يتطلب حكم الواقعة بطريق معتبر من اجتهاد أو تقليد وحينئذ فلا يخلو إما أن يعلم بموافقة عمله السابق لمعتقده اللاحق أو بمخالفته له أو لا يعلم شيئا منهما فعلى الأول يحكم بصحة عمله على الظاهر إذ التقدير اشتماله على جميع ما يعتبر اشتماله عليه عنده حتى نية القربة وليس هناك ما يصلح أن يكون مانعا من صحته بحكم الفرض إلا عدم استفادة العلم به من طريق معتبر وهو غير قادح مع تحقق المطابقة ويمكن استفادة ذلك بعد موافقته للشريعة السمحة من الاخبار الحاكمة بصحة عمل السائل أو غيره ونفي البأس عنه عند مطابقته للواقع وهي كثيرة متفرقة في أبواب كتب الحديث وسيأتي التنبيه على بعضها فإن العمل المطابق لو كان فاسدا من حيث عدم تحصيل العامل له من طريق معتبر لكان المناسب بل اللازم بيان التفصيل في ذلك مع خلوها عن الإشارة إليه بالكلية وعلى الثاني لا إشكال في بطلان عمله فيما لم يثبت اغتفار الجهل فيه كالجهر والاخفات وسيأتي بيان ذلك وعلى الثالث لا يبعد الحكم بالصحة لا سيما مع خروج الوقت عملا بالاخبار الدالة على عدم العبرة بالشك بعد الفراغ وبعد خروج الوقت إذ المقام مندرج في عمومه ولنتعرض