الشيخ محمد حسين الحائري

411

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

تعليق القلادة في العنق وعرفوه عرفا بالأخذ بقول الغير من غير حجة وينبغي أن يراد بقوله فتواه في الحكم الشرعي ولو أبدل به لكان أولى فإن هذا هو المعنى المتداول في العرف والمبحوث عنه في المقام وقد يطلق التقليد على الاخذ بقول الغير في الموضوع الشرعي كقول الفقهاء الأعمى يقلد في معرفة الوقت والقبلة ولعله مجاز في المعنى المتقدم وعليه فيخرج الاخذ بقول الراوي والشاهد وحكم الحاكم أيضا فإن شيئا من ذلك لا يسمى تقليدا قال العضدي بعد ذكر التعريف المذكور وعلى هذا فلا يكون الرجوع إلى الرسول والاجماع ولا رجوع العامي إلى المفتي والقاضي إلى الشاهد تقليدا لقيام الحجة على ذلك كله ولو سمي ذلك أو بعض ذلك تقليدا فلا مشاحة انتهى ملخصا أقول قولهم في الحد من غير حجة معناه من غير حجة على القول كما هو الظاهر لا على الاخذ كما زعمه العضدي على ما يظهر من تفريعه وعلى هذا فلا إشكال في دخول أخذ العامي بفتوى المجتهد لأنه أخذ بقوله من غير حجة على قوله وإن كان له حجة على الاخذ به ويخرج الاخذ بقوله صلى الله عليه وآله لان برهان العصمة حجة على صحة قوله كما أنه حجة على وجوب الاخذ به أيضا ومثله الكلام في الاخذ بقول الامام بل كل من ثبت عصمته وبقول المجمعين على طريقة أهل الخلاف لا يقال يجري مثل هذا البيان في أخذ العامي بقول المفتي فيلزم خروجه أيضا فإن ما دل على وجوب أخذه بقوله دل على ثبوت فتواه عليه بمعنى أنه حكم الله في حقه ولو ظاهرا فيكون له حجة على القول أيضا لأنا نقول إنما يثبت قول المفتي على العامي ويصير في حقه حكما شرعيا بعد أخذه به فهو يأخذ ما لا دليل عليه حال الاخذ وإن قام عنده الدليل عليه بعده بخلاف الاخذ بقول المعصوم عليه السلام والاجماع فإن برهان العصمة حجة على صحة قوله سواء أخذ به أم لا وكذلك الاخذ بحكم الحاكم وقول الشاهد وإخبار ذي اليد وما أشبه ذلك فإن ما دل على حجيتها دل على ثبوت مقتضاها في الظاهر أخذ به أو لم يؤخذ ويمكن إخراجه عن الحد أيضا بتفسير القول بما ذكرناه هذا واستشكل الفاضل المعاصر بعد البناء على ما ذكره العضدي في قولهم يجوز التقليد في الفروع ولا يجوز في الأصول بأنه إن أريد به الاخذ بقول الغير من غير حجة لم يجز فيهما وإن أريد الاخذ به مع الحجة جاز فيهما ثم تفصى عنه بحمل التقليد هناك على معنى آخر وهو الاخذ بقول الغير مجردا عن اعتبار القيدين وقد اتضح لك ضعفه مما قررنا واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه لان العمل مسبوق بالعلم فلا يكون سابقا عليه ولئلا يلزم الدور في العبادات من حيث إن وقوعها يتوقف على قصد القربة وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا نعم يعتبر العمل في لزوم حكم التقليد إن قلنا بجواز العدول وإلا لزمه حكمه مطلقا هذا وقول العلامة في النهاية بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة بيان لمعناه اللغوي كما يظهر من ذيل كلامه وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام فصل لا ريب في جواز التقليد لغير المجتهد في الفروع مع عدم حضور المعصوم في مجلس التقليد للقطع ببقاء التكليف بالأحكام وانسداد طريق تحصيلها في حق غيره بغير طريق التقليد غالبا ولجريان طريقة السلف عليه من غير نكير ولأن في أمر الكل بالاجتهاد حرجا على الأنام وإلزاما بما فيه إخلال بالنظام ولعموم قوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بناء على أن المراد بأهل الذكر أهل القرآن من العلماء كما نص عليه جماعة وقد مر الكلام فيه ولقوله تعالى في آية النفر ولينذروا قومهم المتناول للانذار بطريق الفتوى أيضا وللاخبار المستفيضة الدالة عليه صريحا وفحوى فمنها قول أبي جعفر عليه السلام لأبان بن تغلب اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك ومنها أنهاك عن خصلتين إلى أن قال وأن تفتي الناس بما لا تعلم ومنها إياك أن تفتي الناس برأيك ومنها من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنه ملائكة الرحمة الحديث ومنها من أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك إلى غير ذلك مما يدل على جواز الفتوى وقبولها من أهلها وربما خالف في ذلك شرذمة شاذة فحرموه وأوجبوا على العامي الرجوع إلى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب والسنة فإن ساعد لغته على معرفة مدلولهما وإلا ترجم له معانيهما بالمرادف من لغته وإذا كانت الأدلة متعارضة ذكر له المتعارضين ونبهه على طريق الجمع بحمل المنسوخ على الناسخ والعام على الخاص والمطلق على المقيد ومع تعذر الجمع يذكر له أخبار العلاج على حذو ما مر ولو احتاج إلى معرفة حال الراوي ذكر له حاله وبشاعة هذا القول وفساده بالنسبة إلى أمثال زماننا مما يستغني لوضوحه عن البيان لظهور عدم مساعدة أفهام كثير من العوام على فهم قليل من الاحكام بهذا الوجه مع عدم مساعدة أكثر أوقات العالم على تعليم قليل مما يحتاج إليه بعض العوام ومع ذلك فلا دليل على حجية ظن العامي من الأدلة المنقولة إليه والآيات الدالة على حرمة التقليد معارضة بالآيات الدالة على حرمة العمل بالظن مع أنها واردة في التقليد الذي لا دليل على جوازه وهو تقليد غير أهل العلم كما يدل عليه قوله تعالى قل أولو كانوا لا يعلمون شيئا ولا يهتدون وأما رواية الثقلين فلا تنافي جواز التقليد لان الاخذ بقول من يتمسك في قوله بهما تمسك بهما حقيقة كالتمسك بالرواية ويؤيد ذلك