الشيخ محمد حسين الحائري
407
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
مختلفة وألفاظ متفاوتة إلا أنها مشتركة الدلالة على ما ذكرناه فهي متواترة بالمعنى وقد يستدل بما روي عنه صلى الله عليه وآله إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد فإن هذه الرواية قد تلقتها الأمة بالقبول ويشكل بأنها إنما تدل على أن المجتهد قد يخطئ ولا نزاع فيه على ما علم من تحرير محل النزاع إلا إذا قيل بأن المخطئ فيما عليه قاطع غير معذور وهو غير مرضي ومنها أنه قد تقرر عند العدلية أن أحكامه تعالى تابعة لمصالح واقعية في مواردها لاحقة لذواتها أو لوجوه واعتبارات طارئة عليها وإن كان لحوق تلك الأحكام لها مشروطة بعلم المكلف أو ما في حكمه وحينئذ فما من واقعة إلا ولها حكم معين يتوقف تعلقه بالمكلف على زوال جهله ولا نعني بالحكم الواقعي إلا ذلك ومنها أنه لو أصاب كل مجتهد لزم الجمع بين المتنافيين وهو قطعه بالحكم ما دام ظانا والقطع والظن متنافيان لا يتواردان على محل واحد ولا يلزم ذلك على المخطئة لتغاير المحل عندهم إذ مورد الظن نفس الحكم ومورد القطع وجوب البناء عليه أو مورد الظن الحكم الواقعي ومورد القطع الحكم الظاهري وهما متغايران فإن قيل مورد الظن على التصويب كون الدليل دليلا وموضع القطع الحكم المستفاد منه فيتعدد المحل أيضا قلنا فيتوجه الاشكال إلى الدليل فيلزم كونه قاطعا به ما دام ظانا فإن كون الدليل دليلا من الأحكام الشرعية الوضعية وإن كانت أصولية إلا أن يقال إنما يقول الخصم بالتصويب في المسائل الفرعية فقط فيندفع عنه الاشكال بالبيان المذكور ويمكن دفعه على الأول أيضا بعد المنع من عموم وروده لاختصاصه بالقاطع بالتصويب المتذكر له حال الاجتهاد بأن المعتبر في الاجتهاد على هذا التقدير ليس فعلية الظن بل ما كان ظنا مع الاغماض عن أدلة التصويب فلا إشكال ومنها ما ذكره العلامة من أن الاختلاف في الحكم يتبع الاختلاف في اعتقاد رجحان إحدى الامارتين على الأخرى ولا يخلو إما أن يكون لإحداهما رجحان على الأخرى أو لا فإن كان الأول كان القول برجحان المرجوح خطأ وإن كان الثاني كان كل من الاعتقادين خطأ وكيف كان فلا يكون كل واحد مصيبا ويشكل بأن الترجيح إنما يتحقق إذا لاحظ كل منها أمارة صاحبه ولاحظ النسبة التي بينهما لامتناع حصول الاعتقاد برجحان إحداهما بدون ذلك وذلك غير لازم لامكان الغفلة عن أمارة صاحبه أو عن نسبة أمارته إليها سلمنا لكن الخطأ في اعتقاد الرجحان لا يوجب الخطأ في اعتقاد الحكم مع أن النزاع إنما هو في الثاني إن خصصنا موضع النزاع به وإلا كان الدليل مصادرة إذ القائل بالتصويب لا يسلم حينئذ رجحان إحدى الامارتين في نفس الامر وإنما يسلم رجحانها في نظر المرجح وهو لا يوجب كون الأخرى خطأ في حق من يترجح في نظره كيف وهو ينافي البناء على التصويب ومنها ما ذكره العلامة أيضا وهو أن المجتهد إما أن يكون مكلفا بالحكم عن الدليل أو لا والثاني باطل لأنه إن كان مكلفا بحكم معين في الواقع كان تكليفا بالمحال وإن كان مكلفا بحكم لا على التعيين كان قولا في الدين بمجرد التشهي وهو فاسد فتعين الأول وحينئذ فالدليل إن كان خاليا عن المعارض كان تاركه مخطئا وإن كان له معارض فإن ترجح أحدهما على الاخر كان الاخذ بالمرجوح مخطئا وإن تساويا كان الاخذ بكل منهما مخطئا لتعيينه ما ليس بمعين وعلى التقديرين لا يكون الجميع مصيبا ويشكل بأن القائل بالتصويب إن عمم الدعوى إلى المباحث الأصولية كان الدليل المذكور مصادرة إذ يكون كل مجتهد حينئذ مكلفا بالعمل بما هو دليل عنده وليس في نفس الامر أمر سواه فيكون الاعتبار بخلوه عن المعارض عنده أو رجحانه عنده ومع التساوي يتخير ويكون ذلك ما في نفس الامر فلا يلزم التخطئة وإن خص الدعوى بالمباحث الفقهية فلا يلزم من خطائه في الترجيح خطاؤه في الحكم حجة المصوبة وجوه منها أنه لو كان لله تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معين لكان ما أنزل الله فيها هو ذلك الحكم فيكون الحاكم بغيره عند الخطأ في الاجتهاد فاسقا وكافرا لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وقوله جل شأنه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والتالي باطل للاجماع على عدم كفره وفسقه فيبطل المقدم أيضا وأما إذا تجردت الواقعة عن الحكم لم يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله إذ لم ينزل في الواقعة ما يغاير فتواه بالنسبة إليه ليصدق أنه لم يحكم به والجواب أما أولا فبالنقض بما لو أخطأ المجتهد بعد بذل وسعه في الاحكام التي عليها قاطع فإنه لا نزاع في تخطئته حينئذ مع أنه لا يكون بذلك كافرا ولا فاسقا وأما ثانيا فبالحل وهو أنه تعالى حيث أنزل مدارك المجتهد كان حكمه بحسب تلك المدارك حكما بما أنزل الله تعالى إذ لا يعتبر نزول الحكم من حيث الخصوصية بل يكفي نزوله ولو بعنوان علم ولا يقدح وقوع الخطأ فيها باعتبار الايصال إلى الحكم الواقعي كما لا يقدح وقوع الخطأ في الشهادة ونحوها كذلك مع أنه تعالى قد أنزل وجوب الحكم بمقتضاها وبالجملة فقد أنزل الله تعالى أحكاما واقعية وظاهرية فالحاكم بأحدهما حاكم بما أنزل الله تعالى سلمنا لكن عموم الآية معارض بما دل على حجية مدارك المجتهد كالآيات الدالة على حجية خبر الواحد فيجب تخصيصها بما عداها ومنها أنه لو أخطأ المجتهد لزمه العمل بمقتضى ظنه وحينئذ فأما أن يلزمه ذلك مع بقاء الحكم الواقعي في حقه فيلزم التكليف بالمحال أو اجتماع الضدين وكلاهما محال أو بدونه فيلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبا وبالصواب حراما وهو محال والجواب أما أولا فبالنقض بما لو أخطأ في الاحكام التي قام عليها قاطع ولم يقف عليه بعد الفحص والتتبع فإنه يجب