الشيخ محمد حسين الحائري
371
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
فإن الشك لا ينقض اليقين ومنها ما روي أيضا عنه عليه السلام من كان على يقين فأصابه الشك فليمض على يقينه فإن اليقين لا يندفع بالشك ووجه الاستدلال أن هذه الأخبار دلت على عدم جواز نقض اليقين بالشك والمراد الحكم المتيقن به لامتناع توارد اليقين والشك على مورد واحد في زمان واحد وذلك معنى الاستصحاب لا يقال هذه الروايات غير ناهضة بإثبات المقصود لأنها بين قاصرة السند بل الدلالة أيضا كالثلاثة الأخيرة وبين قاصرة الدلالة كالأربعة الأول فإن موضع الاحتجاج من الرواية الأولى قوله عليه السلام لا ينقض اليقين أبدا بالشك ولا ريب أن الضمير المستتر في الفعل راجع إلى الذي ذكره السائل ممن شك في وقوع حدث النوم منه بعد فعل الطهارة ولفظ اليقين ظاهر في العهدية لسبق ذكره في قوله عليه السلام فإنه على يقين من وضوئه فيختص الحكم به ولا يتعدى إلى غيره وقريب منه الرواية الثالثة فإن لفظ اليقين فيها صالح للعود إلى اليقين السابق ومحل الاستدلال من الرواية الثانية قوله عليه السلام ولا ينقض اليقين بالشك وقوله عليه السلام لا يعتد بالشك في حال من الحالات ولا دلالة لذلك على حجية الاستصحاب فإن المفهوم منها أن الركعات الثلاث التي علم بفعلها لا يبطلها بما اعتراه من الشك في فعل الرابعة بل يبني على اليقين أعني الركعات الثلاث التي تيقن الاتيان بها ويأتي بالركعة المشكوك فيها على الوجه الذي استفيد من سائر الأخبار لتكمل أربعا ولا يعتد بالشك بجعله ناقضا للعمل الصحيح في حال من الحالات وقوله عليه السلام في الرواية الرابعة ابن علي اليقين كما يحتمل إرادة البناء على استمرار حكم اليقين كذلك يحتمل إرادة الاقتصار على محله فيدل على نقيض المدعى لأنا نقول أما ضعف الاسناد في البعض فمجبور بالشهرة بين الأصحاب فتوى ورواية وأما ما ذكر في دلالة الرواية الأولى فمدفوع بأن الظاهر من سياقها إعطاء القانون وتأصيل الضابطة كما يدل عليه لفظ أبدا وينبه عليه أولوية التأسيس على التأكيد إذ على تقدير تخصيص الحكم بمورد السؤال يكون مفاد الكلام المذكور أنه لا ينقض يقين الطهارة باحتمال الحدث وهذا مفاد الكلام السابق بعينه وبمثل ذلك يجاب عن الرواية الثالثة بل دلالتهما على المقصود مما لا تعسف فيه أصلا كما لا يخفى وأما ما ذكره في الرواية الثانية فيمكن دفعه بأن قوله عليه السلام ولا ينقض اليقين بالشك مسوق لبيان أنه لا ينقض يقينه بعدم فعل الرابعة سابقا بالشك في فعلها لاحقا بأن لا يعول على شكه فيبني على وقوعها ويؤيده قوله عليه السلام ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر بناء على أنه مسوق لبيان أنه لا يدخل الركعة المشكوك فيها في اليقين أعني الصلاة المعلوم اشتغال الذمة بها أولا يضمها إلى الركعات الثلاث اليقينية فيكون الظرفية على التوسع ولا تخلط الشك أعني تلك الركعة المشكوك في وقوعها باليقين أعني الصلاة أو الركعات الثلاث اليقينية بأن يبني على وقوع الأربع بل ينقض الشك في لحوق فعل الرابعة بيقين عدمها السابق فينفي فعلها بالأصل فيبني عليه ويأتي بها على الوجه المقرر تحصيلا للبراءة اليقينية ويتم عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات بل يبني على بقاء ما تيقن ثبوته وبالجملة فمفاد قوله لا ينقض اليقين بالشك إلخ إعطاء قانون كلي ليستعلم منه حكم الواقعة المسؤول عنها ولا يقدح رجوع الضمير إلى من لم يدر في ثلاث هو أو أربع لان ثبوت الحكم في حق واحد يوجب ثبوته في حق الباقين وأما ما ذكر في الرواية الأخيرة فيمكن دفعه بأن الظاهر من البناء على اليقين إبقاؤه واستمراره ولو سلم عدم وضوح الدلالة فيمكن جبرها بما مر من الشهرة المعتضدة بالوجوه السابقة فتدبر واعلم أن المستفاد من ما يعتمد عليه من هذه الأخبار كالرواية الأولى والثالثة وهي الأصل في المقام حجية الاستصحاب في الأشياء التي مقتضاها البقاء والاستمرار لولا عروض المانع بقرينة لفظ النقض فإن المفهوم منه اقتضاء الشئ المتيقن للبقاء على تقدير عدم طرو الناقض المشكوك فيه إذ عدم البناء على بقاء ما علم ثبوته في وقت لا يعد نقضا له إذا لم يكن في نفسه مقتضيا للبقاء فالحكم بعدم بقاء الموقت بعد وقته لا يعد نقضا لما ثبت منه في وقته ولقد أجاد المحقق الخوانساري في فهم الرواية حيث قال المراد من عدم نقض اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض ومعنى التعارض أن يكون الشئ مقتضيا لليقين لولا الشك فإنك بعد التأمل فيه تجد محصوله راجعا إلى ما حققناه من أن النقض لا يصدق إلا في حق الأشياء التي مقتضاه البقاء لولا طرو المانع لكنه ما أجاد في تخصيصها بالأحكام التي ثبت استمرارها إلى غاية معينة وشك في حصولها إلى آخر ما مر بل يجري في كل ما ثبت بقاؤه ما لم يمنع منه مانع حكما كان أو غيره ويجري فيما لو كان الشك في مانعية الشئ المعين كما يجري فيما لو شك في حصول المانع المعين كما لو علم أن الطهارة إذا حصلت استمرت إلى أن يرفعها رافع ثم علم أن الاحداث الثلاثة مثلا رافعة لها وشك في رافعية المذي استصحب بقاءها وأما ما قيل عليه من أن الحال في كل حكم لم يثبت اختصاصه بوقت أو آن كذلك لأنه لو فرض عدم عروض الشك عند عروضه لكان اليقين بالحكم بحاله لأن عدم العروض إنما يكون عند القطع بأن جزا من أجزأ علة الوجود لم يرتفع ومع القطع بعدم ارتفاعه يحصل اليقين بوجود المعلول لان بقاءه إنما هو ببقاء علته التامة وزواله بزوالها فضعفه ظاهر لوضوح الفرق بين عدم الشئ لطريان المانع وبين عدمه لعدم المقتضي وما يصدق في حقه النقض بالمعنى الذي ذكر إنما هو الأول دون الثاني فإن معنى قول المحقق المذكور في بيان معنى التعارض