الشيخ محمد حسين الحائري

364

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

المترتبة عليه خاصة وكون الواجب مثلا هو الجملة المعلومة ليس من الأحكام الشرعية المترتبة على عدم اعتبار الشارع للامر المشكوك فيه بل من لوازمه العقلية بعد ثبوت وجوب الواجب والسر في تنزيل تلك الأخبار على ذلك أن نسبة اليقين إلى اليقين بثبوت مورد الاستصحاب كنسبته إلى اليقين بعدم حدوث ما يترتب عليه من لوازمه الشرعية وغيرها فيتناول اللفظ لأحدهما كتناوله للاخر وقضية ذلك جريان الاستصحاب في كل منهما من غير تحكيم لأحدهما على الاخر لكن يستفاد من مورد تلك الأخبار ومساقها كما سيأتي تحكيم الاستصحاب المترتب عليه حكم شرعي أولا على استصحاب عدم ذلك الحكم فيقتصر عليه ويبقى التحكيم في غير ذلك بلا دليل وسيأتي لهذا مزيد بيان في ذيل مبحث الاستصحاب الثاني عموم ما دل على أنه رفع عن هذه الأمة ما لا يعلمون وأن ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم إلى غير ذلك من الاخبار التي مر ذكرها وتخصيصها بالحكم التكليفي خروج عما يقتضيه وضع اللفظ من غير دليل وقيام الدليل في بعض الأحكام الوضعية على عدم اشتراطه بالعلم لا ينافي تعميمه إلى الموارد التي لا دليل فيها على ذلك ثم دائرة أصل العدم بحسب هذا الدليل أعني الاخبار أوسع من دائرته بحسب الدليل السابق لجريانه بمقتضى هذا الدليل في مطلق أحكام الوضع حتى الجزئية منها والشرطية والمانعية لان المفهوم من أخبار الباب رفع الحكم المجهول وإثبات ما يترتب عليه من الأحكام الشرعية وغيرها مما يترتب عليه أحكام شرعية عملا بظاهر الاطلاق السالم عما يقتضي صرفه هنا عنه إذ الوجه الذي قررناه في منع إطلاق أخبار الاستصحاب غير متطرق إلى إطلاق هذه الأخبار ولولا ذلك لالتزمنا بالاطلاق هناك أيضا فاتضح مما قررنا أن الأصل المثبت بالمعنى المذكور إن كان استصحابا لم يعتبر وإن كان أصل العدم بالاعتبار الذي ذكرنا كان معتبرا هذا التحقيق ما أدى إليه نظري سابقا والذي أدى إليه نظري لاحقا فساد هذا الوجه فإن الظاهر من أخبار الوضع والرفع وما في معناهما إنما هو وضع المؤاخذة والعقوبة ورفعهما فيدل على رفع الوجوب والتحريم الفعليين في حق الجاهل خاصة دون غيرهما وحملهما على رفع نفس الحكم وتعميمه إلى حكم الوضع مع بعده عن سياق الرواية مناف لما تقرر عند الأصحاب من أن أحكام الوضع لا تدور مدار العلم بل ولا العقل والبلوغ ولهذا تراهم يحكمون في مباحث الفقه بترتب أحكامها الوضعية كالحدث بأنواعه والطهارة والنجاسة والملكية المتعلقة بالعين والمنفعة بأقسامها المقررة والضمان والخيارات والصحة والبطلان إلى غير ذلك مما لا يحصى على الصغير والمجنون والجاهل والغافل إلا فيما شذ وندر وبالجملة فالذي يظهر ومن اتفاقهم على أن الأصل في أحكام الوضع عمومها للعالم وغيره وأن الخروج عن هذا الأصل في بعض الموارد النادرة إنما هو لدلالة دليل عليه بالخصوص ثم نؤكد الكلام في منع دلالة هذه الأخبار على أصالة عدم الجزئية والشرطية وما في معناها بالنسبة إلى ما شك في اتصافه بذلك بأن مرجع عدم وضع الجزئية والشرطية في الجز والشرط المشكوك فيهما إلى عدم وضع المركب من ذلك الجز والمشروط بذلك الشرط فإن عدم جزئية الجز بمعنى عدم كلية الكلي وعلى قياسه الشرط والمشروط ولا ريب في عدم جريان أصل العدم بالنسبة إلى المركب والمشروط لان أصالة عدم وضع الأكثر في مرتبة أصالة عدم وضع الأقل وأصالة عدم وضع المقيد في مرتبة أصالة عدم وضع المطلق يعارضهما العلم الاجمالي بوضع أحدهما فيسقطان عن درجة الاعتبار فكذا ما يرجع إلى ذلك مما لا يغايره إلا بمجرد المفهوم سلمنا مغايرتهما بغير المفهوم لكن لا خفاء في أن الجزئية والشرطية لا يستدعيان وضعا مغايرا لوضع الكل والمشروط بل هما اعتباران عقليان متفرعان على وضع الكل والمشروط وعدهما من الحكم الشرعي مبني على مراعاة هذا الاعتبار و إلا فليسا عند التحقيق منه فلا ينصرف الوضع والرفع في الاخبار إليهما سلمنا لكن لا ريب في أن الجزئية والشرطية كما ينتزعان من اعتبار الجز في الكل والشرط مع المشروط كذلك ينتزع عدمهما من عدم اعتبارهما فيكون عدمهما أيضا حكما وضعيا ثبوتهما ونسبة عدم العلم إلى كل منهما بالخصوص سواء فلا وجه لترجيح إعمال الأصل بالنسبة إلى أحدهما بالخصوص مع العلم بانتقاض الأصل بالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين فسقط الاستدلال بأخبار الوضع والرفع وما في معناهما بقي الاحتجاج برواية من عمل بما علم كفي ما لم يعلم فالوجه في الجواب القدح في دلالته بأن الظاهر مما علم ما علمه من المطلوبات النفسية دون الغيرية والآتيان بما علم من أجزأ العبادة وشرائطها ليس إتيانا بما علم أنه مطلوب نفسي فلا يندرج في عموم الرواية سلمنا لكن معنى ما علم ما علم مطلوبيته لا ما علم جزئيته أو شرطيته ولا ريب في العلم بمطلوبية الجز والشرط المشكوك فيهما من باب المقدمة فلا يندرجان في عموم ما لم يعلم فاتضح مما حققنا أن المستند على حجية أصل العدم في أحكام الوضع منحصر في الاستصحاب وقد بينا عدم مساعدته على جريانه بالنسبة إلى وضع الجزئية والشرطية فالتحقيق أن هو القول بوجوب الاحتياط فيهما حيث لا يقوم دليل على نفيهما وأما أصالة عدم الزيادة حيث يدور الامر بين الأقل والأكثر فيرجع إلى مسألة أصل العدم ويرجع في موارد التكليف إلى أصل البراءة أيضا وأما أصالة عدم تقدم الحادث فيرجع إلى استصحاب العدم السابق في الزمن الذي يشك في حدوثه فيه وإلى هذا يرجع أصالة تأخر الحادث ثم هذه الأصول إنما يعتبر في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى