الشيخ محمد حسين الحائري

353

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

بوقوع جنابة وغسل عما في الذمة منه وشك في المتأخر فإن قضية أصل البراءة هنا عدم تحريم جواز المسجدين واللبث في المساجد وقراءة العزائم عليه مع أنه لا مسرح للاستصحاب فيها الثالث ما دل على نفي التكليف عند عدم ما يدل عليه من الكتاب والسنة فمن الأول قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها فإن الاتيان لا يصدق فيما لا ينصب أمارة عليه وفيه تأمل وقوله تعالى ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة فإن قضية تخصيص الهلاك والحياة بصورة وجود البينة نفيهما عند انتفائها وقضية ذلك نفي الوجوب والحرمة وأخويهما حينئذ على إشكال في دلالته على نفي الكراهة وقريب منه قوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وقد يستدل أيضا بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فإن المتبادر من بعث الرسول في المقام هو التبليغ ويشكل بعد التسليم بأن نفي التعذيب لا يدل على نفي الوجوب والتحريم لجواز الاستحقاق والعفو كما مر في دفع حجة المنكرين للملازمة بين العقل والشرع ومن جمع بين التمسك بالآية في المقام بالبيان المذكور وبين دفع حجة المنكرين للملازمة بما ذكرناه كما يحكى عن بعض الأفاضل فكأنه أراد نفي الوجوب والتحريم بالمعنى الذي أثبته الخصم فإنه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه بالعفو وعدم المؤاخذة ولو مع الاصرار بل يجعله كغيره من الذنوب فلا يكون تناف بين كلاميه كما أورده بعض المعاصرين عليه ومن الثاني ما روي في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله رفع عن أمتي تسعة وعد منها ما لا يعلمون وفي الموثق ما حجب الله تعالى علمه عن العباد فهو موضوع عنهم وفي رواية عبد الأعلى قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن لم يعرف شيئا هل عليه شئ قال لا فإن الرفع والوضع وعدم شئ عليه في معنى البراءة نعم إنما يتم الاحتجاج بالرواية الأخيرة إذا حملت على السلب الجزئي واستدل بعضهم أيضا بالصحيح كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو حلال لك أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه فنزل تارة قوله عليه السلام كل شئ فيه حرام وحلال على معنى كل فعل من الافعال وكل عين من الأعيان المتصفة بالحل والحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به منهما فخرج ما لا يتصف بهما معا من الافعال الاضطرارية والأعيان التي لا يتعلق بها فعل المكلف وما تعين حله أو حرمته قال وليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه ثم قال فصار الحاصل أن ما اشتبه حكمه وكان محتملا لان يكون حلالا ولان يكون حراما فهو حلال ونزله أخرى على معنى كل شئ تقسمه إلى هذين القسمين وتحكم عليه بأحدهما لا على التعيين وحكم برجوعه إلى المعنى الأول أقول ولا خفاء في أنه تعسف فاسد وتكلف بارد لما فيه من تقدير ما لا يساعد عليه اللفظ ولا عليه أمارة خارجية بل التحقيق أن المتبادر من الرواية هو كل شئ أي عين أو نوع يشتمل على النوعين لا على احتمالهما فيعتبر العلم بهما فيه كما هو الأصل في تشخيص سائر الموضوعات فيختص بالشبهة في الموضوع دون الحكم نعم ربما أمكن أن يقال بأنا إذا ضممنا عنوانا مشتبه الحكم إلى عنوان معلوم الحرمة وعنوان معلوم الحلية صدق على المجموع بأنه شئ فيه حلال وحرام فيثبت الحلية في مشتبه الحكم لعدم العلم بحرمته وكذا لو جمعنا بين مصاديق الثلاثة فينسحب الحكم حينئذ من المصداق إلى العنوان وفي كلا الوجهين تعسف فإن المتبادر من الرواية حلية المشتبه ومن معلوم أحد النوعين بالآخر في الشئ المشتمل عليهما كما لا يخفى ثم إن الفاضل المعاصر تنظر في التنزيل المذكور بوجوه أربعة الأول أنه يوجب استعمال قوله كل شئ فيه حرام وحلال في معنيين من حيث يراد به حينئذ أمران أحدهما كلما أمكن اتصافه بأحدهما ليخرج الأعيان التي لا يتعلق بها فعل المكلف كالسماء فإنه مما لا يمكن اتصافه بحكم شرعي والثاني كلما كان منقسما إليهما بأن وجد فيه النوعان عندنا أو في نفس الامر ليخرج الافعال الضرورية لبقاء الحياة وما تعين حليته أو حرمته وقد تقرر في محله عدم جواز الاستعمال المذكور الثاني أنه لا معنى لاخراج المذكورات بالقيد المذكور من حيث إنه معنى قوله عليه السلام فهو لك حلال أن مجهوله حلال ولا جهالة فيها الثالث أنه لا معنى حينئذ لاعتبار المفهوم المخالف اللازم للقضية إلا بأخذ السالبة منفية الموضوع وهي غير مفيدة يعني أن مفهوم الرواية حينئذ أي ما ليس فيه حرام وحلال فمجهوله ليس بحلال وليس فيما ليس فيه حرام وحلال بالتفسير المذكور مجهول فيتعين أخذ السالبة منفية الموضوع ولا فائدة فيها وزعم أن ذلك لا يلزم على تقدير تخصيصه بشبهة الموضوع إذ ليس التقييد حينئذ للاحتراز بل للتنبيه على أن احتمال التحريم في نظر المكلف في صورة الاشتباه لا يوجب التحريم كما ينصرف إليه الأوهام وهذا الوهم غير حاصل على تقدير أن يكون الاشتباه في نفس الحكم فلا يكون للتقييد حينئذ فائدة الرابع أنه يستلزم استعمال المعرفة في قوله عليه السلام حتى تعرف الحرام في معنيين المعرفة من الدليل الشرعي فيما إذا كانت الشبهة في الحكم أو من بينة وشبهها فيما إذا كانت الشبهة في الموضوع وهو غير جائز كما سبق هذا ملخص ما أطال الكلام في بيانه والحق أن الوجوه التي أوردها غير واردة أما الأول فلان توجيه الرواية على ما قرر في الاحتجاج لا يبتني على استعمال اللفظ المذكور في معنيين بل في معنى واحد متناول للمعنيين لما عرفت من أن المستدل ينزله على معنى كل ما يحتمل أن يكون حراما و حلالا وهذا عنوان عام يشمل كلا من المعنيين وأما الثاني فلان الضمير في قوله فهو راجع إلى الشئ المحتمل للحرمة والحلية من غير إضمار فلا إشكال وقوله معنى قوله فهو لك حلال أن مجهوله حلال إن أراد