الشيخ محمد حسين الحائري
333
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
حكم بنفيه وبأن الممتنع هو تصوره مثبتا لا مطلقا والذي يلزم من ذلك إمكان تصوره منفيا لا مطلقا فلا منافاة وتوضيح ذلك على ما حققه بعضهم هو أن المستحيل مما يمتنع أن يحصل له صورة في العقل كأن يتصور شئ هو اجتماع النقيضين أو اجتماع الضدين فتصوره إما على سبيل التشبيه بأن يلاحظ بين المختلفين كالسواد والحلاوة وصف الاجتماع ثم يقال مثل هذا الوصف لا يمكن حصوله وبينهما أو على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض هذا ولا يخفى ما فيه لأنه إن أريد باستحالة تصور المستحيل الذاتي استحالة حصول صورته في الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على إمكان حصول صورة المطلوب في الخيال وإنما يتوقف على إمكان تصوره في الجملة وإن أريد استحالة حصول صورته في العقل كما صرح به في التوضيح فممنوع كيف وهذا المفهوم حاصل في العقل وحصوله فيه عبادة عن تصوره وذلك لان دائرة العقل أوسع من دائرة الخيال والخارج من وجه ولهذا يوجد الكليات بوصف الكلية في العقل ويمتنع تحققها في الخيال والخارج وأما الوجه الثاني فضعفه ظاهر لان الحكم بالنفي فرع تصور الطرفين كالحكم بالاثبات وأما ما يقال من أن السالبة لا تستدعي وجود الموضوع مطلقا بخلاف الموجبة فإنها تستدعيه فمعناه أن السالبة من حيث الصدق لا تستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر السلب بالنسبة إليه مطلقا بخلاف الموجبة فإن صدقها يستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر الايجاب بالنسبة إليه محققا أو مقدرا ومرجع ذلك إلى أن انتفاء شئ عن شئ لا يستدعي وجود ما انتفي عنه بحسب الظرف الذي اعتبر الانتفاء بالقياس إليه لا محققا ولا مقدرا سواء كان الظرف ذهنا أو خارجا بخلاف ثبوت شئ لشئ فإنه يستدعي ثبوت ما ثبت له بحسب الظرف الذي اعتبر الثبوت فيه بأحد الاعتبارين وليس المراد أن السالبة من حيث كونها حكما بالسلب لا يستدعي وجود الموضوع مطلقا كيف ومورد السلب إنما هو النسبة الحكمية كالايجاب وهي مما يمتنع تعقلها بدون معقل طرفيها الثاني أنه لو امتنع تصوره لامتنع الحكم الثبوتي عليه بأنه ممتنع أو معدوم فإن ثبوت شئ لشئ فرع ثبوته ويكفي ذلك في صحة طلبه وأجاب عنه أولا بأن المستحيل حينئذ هو الأمر الخارجي دون الذهني المتصور فلا يكون المستحيل هو المتصور وفيه أن الامر الذهني المتصور عنوان للامر الخارجي المستحيل ومرآة لملاحظته فكيف يكون المتصور أي الملحوظ بذلك العنوان غير المستحيل وإلا لاستحال الحكم عليه بالاستحالة وثانيا بأنه لو كان متصورا لكان ممكنا فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل وفيه أن كون الشئ ممكن الوجود في الذهن لا ينافي كونه ممتنع الوجود في الخارج فالحكم على الموجود الذهني بالامتناع ليس من حيث كونه موجودا في الذهن لامكانه بهذا الاعتبار بل باعتبار ما جعل مرآتا لملاحظته أعني وجوده في الخارج فلا منافاة وكذا الحال في الحكم على الممتنع الذهني كحكمنا على الوجود الخارجي بأنه ممتنع التحقق في الذهن فإنه حكم على العنوان الموجود في الذهن باعتبار كونه آلة ومرآتا لملاحظة ما يمتنع تحققه فيه فإن امتناع وجود أمر في الذهن لا ينافي إمكان وجود وجهه فيه الحاكي عنه المعرف لأحكامه ولوازمه ومثله الكلام في الحكم على ما ليس بموجود ذهنا وخارجا كقولنا المعدوم المطلق لا يحكم عليه بشئ ولا يشكل بأن هذا أيضا حكم عليه لان المراد أنه لا يحكم عليه باعتبار نفسه لا باعتبار وجهه وكذا الحال في الممتنع وجوده ذهنا وخارجا كوجود الممتنع الخارجي وثالثا بأن الحكم على الخارج بالامتناع يستدعي تصوره في الخارج وهو محال لأنه تصور للشئ على خلاف حقيقته وفيه أن تصور المستحيل في الخارج لا يوجب كونه تصورا له على خلاف حقيقته أي مفهومه كيف والتقدير أنه تصور لمفهومه وإنما يوجب كونه تصورا له على خلاف حقيقته بمعنى ما يمكن تحققه به والفرق واضح حجة المفصلين في المحال بين ما يستند استحالته إلى اختيار المكلف وغيره أما على منعه فيما لا يستند إلى اختيار المكلف فما مر من حجة المنع وأما على جوازه فيما يستند استحالته إلى اختياره فهو أنه لولاه لخرج كثير من أفراد الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا والتالي باطل أما الملازمة فلان الواجب إذا توقف على مقدمات مقدورة وتركها المكلف فلا يخلو إما أن يبقى التكليف في حقه وهو التكليف بالمحال أو لا فيلزم أن لا يكون وجوب الواجب مطلقا بل مشروطا بحصول تلك المقدمات وهو المراد بالتالي وأما بطلانه فواضح وأن المستند على امتناع التكليف بالمحال هو قبحه العقلي وهو لا يجري فيما إذا استند إلى اختيار العبد إذ لا يقطع العقل بقبحه حينئذ والجواب عن الأول أنا نختار عدم بقاء التكليف بعد ارتفاع القدرة ونمنع لزوم خروج الواجب المطلق حينئذ عن كونه واجبا مطلقا إن اعتبر الخروج بالنسبة إلى زمن القدرة لعدم ما يوجبه حينئذ وإن اعتبر بالنسبة إلى ما بعده فهو لا يوجب أن يكون الوجوب مشروطا بل بقاؤه مشروطا ولا إشكال عليه إذ يكفي في عصيانه واستحقاقه العقاب تفويته فعل الواجب بعد وجوبه بتقصيره واختاره ولا يعتبر في ذلك اتصال التكليف بزمن ترك الواجب وببيان أوضح الافعال التي تتولد من الفعل الاختياري بطريق الاضطرار بأسرها مستندة إلى اختيار الفاعل الذي يستند إليه الفعل الاختياري فهي اختيارية له بالنسبة إلى زمن اختياره السابق بمعنى أنه في زمن وجود الاختيار له في الفعل الذي تولدت منه كان له أن يتسبب لحصولها بفعله أو لعدمها بتركه وإن كانت اضطرارية بالنسبة إلى ما بعد زمن حصول ذلك الفعل الاختياري حيث إنه لا يتمكن حينئذ من التسبب لعدمها والتكليف الفعلي عندنا إنما يجوز أن يتعلق بها فعلا أو تركا حال