الشيخ محمد حسين الحائري

325

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

التخلص يختار أحدهما ولا يتوقف حتى يحصل عنده مرجح لأحدهما وكذا الجائع إذا وجد رغيفين متساويين فإنه يتناول أحدهما ولا يكف نفسه عنهما حتى يجد المرجح وكذا الظمآن إذا وجد قدحين من ماء متساويين إلى غير ذلك وهذا الوجه غير سديد إذ التحقيق امتناع الترجيح من غير مرجح كما يشهد به الفطرة المستقيمة ووجهه أن وقوع الترجيح تارة وعدمه أخرى مع تساوي الحالين واقعا كما هو المفروض يوجب الترجيح بلا مرجح وهو ضروري البطلان وأما التمسك بالأمثلة المذكورة ونظائرها فمدفوع بأن فرض التساوي من كل وجه لا يوجب وقوعه في الخارج وإن كان الحكم على تقديره حقا ألا ترى أنا نقطع بأنه لو وضع عمود على حد سيف بحيث يتساوى ثقله من الجانبين وقف عليه ولم يمل إلى جانب مع أنا نرى بالتجربة أن الفرض لا يقع في الخارج وبالجملة ففرض التساوي في الأمثلة المذكورة لا يوجب وقوعه فإن هناك مرجحات خفية مؤثرة في الترجيح حاصلة في نظر المرجح وإن لم يتنبه لها وأقلها كون التفاته حال الترجيح إلى أحدهما أو إلى ما يترتب عليه من الغاية المقصودة أكثر ولا يلزم من كون شئ مرجحا تفطن الفاعل لكونه مرجحا ومن هنا ذكر بعض المحققين في باب النية أن الداعي إلى العمل قد يكون في الواقع محض الرياء ويعتقد العامل حال العمل أنه محض القربة ثم ينكشف له بعد تلطيف النظر وإعمال التأمل حقيقة الحال وقد يجاب بأن الترجيح في أمثال ذلك يستند إلى تأثير حركة الأفلاك فإن أريد أن حركتها تقتضي ترجيح أحدهما من غير أن يتحقق مرجح في نظر الفاعل فهذا التزام بمقالة الخصم وإن أريد أنه يرجح أحدهما لأنه في نظره موافق لما يقتضيه حركتها ففساده ضروري في حق من لا يطلع على ما يقتضيه في ذلك حركتها ولعله يريد أن حركتها توجب حصول ميل قلبي ولو خفي إلى أحدهما فيرجح لأجله وعلى هذا فيمكن أن يجاب أيضا بجواز أن يكون هناك مناسبة خفية لا تصل إليها عقولنا موجبة لحصول ميل قلبي إلى أحدهما فيرجح لأجله ولا حاجة إلى استناده إلى حركة الأفلاك واعلم أن من قال بجواز الترجيح بلا مرجح إن قال بجوازه مع عدم المرجح في النظر وواقعا صلح مقالته جوابا عن الشبهة المذكورة لكن يرد عليه ما مر من لزوم وقوع الترجح بلا مرجح في هذا الترجيح ويجوز أن يكون هناك ما يقتضي وقوع هذا الترجيح كحركة الأفلاك فإن فرض المساواة فيما لا يتعلق بالنظر ممنوع الوقوع إذ لا سبيل إلى إثباته وإن قال بجوازه مع عدم المرجح في النظر خاصة وإن كان هناك ما يقتضي وقوع هذا الترجيح سلم عن الاشكالين لكن مقالته لا تصلح حينئذ جوابا عن الشبهة إذ لا تنافي أن يكون الفعل لازم الصدور مع وجود ذلك المرجح فلا أثر للتجويز المذكور في الحل ويرد عليه على التقدير الأول أيضا أن مورد الشبهة ليس صورة تساوي الفعل والترك في نظر الفاعل بل أعم من ذلك إذ لا يقول أحد بثبوت الاختيار في الصورة الأولى خاصة والبيان المذكور ولو تم فإنما يجري في دفع الشبهة عنها خاصة وهي على تقدير تسليمها نادرة الوقوع الثاني وهو المعتمد أنا نختار أنه يحتاج إلى مرجح لكن نمنع كونه معه لازم الصدور من الفاعل إن أريد باللزوم أنه لا يتمكن مع المرجح إلا من الفعل وإن أريد أنه لا يأتي مع المرجح إلا بالفعل منعنا كون لزوم الصدور بهذا المعنى منافيا للاستناد إلى الاختيار كيف وهو وجوب بواسطة الاختيار فهو محقق للاختيار لا مناف له بيان ذلك أن الفاعل المختار هو من يفعل الفعل بقدرته عند وجود المرجح في نظره والقدرة فينا عبارة عن صفة زائدة بها نتمكن من الاتيان بالفعل والترك والمرجح عبارة عما هو الداعي إلى الفعل وحيث إن نسبة القدرة إلى كل من الفعل والترك على حد سواء فلا بد في تعلقها بالفعل من وجود داع معتبر في نظر الفاعل مستمر إلى زمن الفعل كما أنه يعتبر في استناد تركه إليها عدم الداعي إليه كذلك فحيث يتحقق الداعي المعتبر ويستمر يجب صدور الفعل منه بالاختيار لا بمعنى أنه لا يتمكن حينئذ إلا من الفعل بل بمعنى أنه لا يأتي إلا بالفعل البتة كما أنه حيث لا يتحقق الداعي يمتنع صدوره منه بالاختيار بمعنى أنه لا يأتي به البتة لا أنه لا يتمكن منه والدواعي تعتبر في صدور غير الإرادة من المختار بواسطتها وفي صدورها منه لا بواسطة ونعني بالإرادة العزم كما هو معناه لغة وعرفا وفسرت به في بعض الأخبار أيضا فأفعالنا الاختيارية مما عدا الإرادة مستندة إلى قدرتنا عند إرادتنا لها وهي مستندة إلى قدرتنا عند وجود الدواعي المعتبرة في نظرنا فالدواعي شرط في صدور الإرادة منا وهي شرط في صدور سائر الأفعال منا وليست الدواعي علة مقتضية أي فاعلة لوجود الإرادة فينا ولا الإرادة علة مقتضية لوجود سائر أفعالنا لظهور أن أفعالنا الاختيارية بأسرها صادرة منا لا من إرادتنا ولا من الدواعي الموجودة فينا ومن الواضح أن الشرط ليس بالمقتضي ولا بجزئه وإن اعتبر في اقتضائه ألا ترى أن النار مقتضية للاحراق بشرط المماسة لا أنها والمماسة والمماسة وحدها مقتضية لذلك وإنما أسندنا الإرادة إلى القدرة لأنها عندنا من الأفعال الاختيارية وقد صعب فهم اختياريتها على كثير من الافهام نظرا منهم إلى أن الفعل الاختياري هو المسبوق بالإرادة فلو كانت الإرادة اختيارية لكانت مسبوقة بإرادة أخرى وينقل الكلام إليها فيتسلسل ومن هنا ذهب جماعة إلى أن الإرادة اضطرارية كالقدرة ولم يتنبهوا أن ضرورة الوجدان قاضية باختياريتها وفي الكتاب والسنة ما يدل على ذلك كالتوبيخ والتهديد عليها في قوله تعالى أتريدون أن تهدوا من أضل الله وقوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم وقوله تعالى يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم