الشيخ محمد حسين الحائري
310
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
سابقا حجيته وأما القسم الأخير فليس في نفسه حجة نعم قد ينجبر بمعاضد خارجي كالشهرة فيكون حجة واعلم أن التقسيم الذي أوردناه في المقام ليس باعتبار الواقع بل باعتبار الاعتقاد فالمراد بالأقسام الثلاثة الأول ما يعتقد في حق رجاله الاتصاف بالأوصاف المذكورة وبالقسم الأخير ما لا يعتقد في حقهم كلا أو بعضا ذلك فيدخل ما كان في طريقه المجهول فيه فصل لا بد للراوي من طريق يستند إليه في الرواية فإن كانت الرواية عن المعصوم عليه السلام فله وجوه منها السماع منه مع توجه الخطاب إليه وحده أو مع غيره وهذا أعلاها لسلامته من احتمال الاشتباه والقصور المتطرق إلى ما عداه وفي حكمه ما لو ذكر الرواية للمعصوم فأقره عليها أو عرض مكتوبها عليه فنظر فيه واعترف بصحته ومنها السماع منه مع كون المخاطب بها غيره وهذا دون الأول لجواز أن يكون بين المتكلم والمخاطب قرائن توجب صرف اللفظ عن ظاهره أو تدل على بعض مراده لم يقف عليها السامع فاقتصر على نقل ما سمعه فأوهم خلاف المراد وإن جاز التعويل على أصالة عدمها ثم هذا يكون على وجهين الأول أن يعلم المعصوم بكونه سامعا الثاني أن لا يعلم به والأول أقوى من الثاني لان علم المعصوم عليه السلام بسماعه ربما يوجب أن ينبهه على المراد إذا لم يساعد اللفظ عليه صونا له عن الاشتباه بخلاف ما لم يعلم به ويجوز للراوي في هذه الوجوه الثلاثة أن يقول قال كذا وفي الأول قال لي كذا أو حدثني وفي الأخيرين سمعته يقول كذا أو ما أفاد ذلك وربما كان لفظ حدثني أو سمعته يقول أو قال لي أصرح من قوله قال كذا في الدلالة على السماع وأما نحو أمر بكذا أو نهى عن كذا فليس بصريح في السماع ولا ظاهر فيه وإنما هو ظاهر في العلم بالامر والنهي وسيأتي الكلام في حجيته ولو قال أمرني أو نهاني فظاهره السماع ويقول فيما لو أقره على الرواية التي ذكرها له أو اعترف بصحة المكتوب منها ما يدل عليه وكذا الحال في رواية الفعل والتقرير ومنها مكاتبته عليه السلام إليه أو إلى غيره ولا بد من علمه بكون الخطاب خطه عليه السلام ولو بمساعدة القرائن والامارات وليس له حينئذ أن يقول قال أو سمعته يقول بل يقول كتب أو كتب بخطه إلي أو إليه أو ما أشبه ذلك وهذا دون السماع بالوجه الأول قطعا لان الكتاب ربما يتطرق إليه التزوير بخلاف السماع والظاهر أنه دون السماع بالوجه الثاني أيضا وفي رجحان الثالث عليه وجهان ولعل أظهرهما ذلك ومنها العلم بكونه قول الإمام بالنظر إلى قرائن الأحوال وليس له حينئذ أن يقول قال لأنه ظاهر في السماع إلا أن يكون معه قرينة تدل على خلافه كتأخر زمانه عن زمان من يستند إليه القول لكن ليس حينئذ في مجرد قوله قال دلالة على علمه بالقول لجواز كونه رواية متروكة الاسناد اختصارا كما نرى مثله عن الصدوق وغيره ثم على تقدير ثبوت دعواه العلم بالقول ففي جواز الاعتماد على مثل هذا النقل وجهان مبنيان على ما مر في حجيته نقل الاجماع والمختار القبول إلا أنه دون الوجوه السابقة لتطرق الخطأ كثيرا في الحدسيات دون الحسيات ولو ظن قول المعصوم إما من جهة السماع الغير المفيد للعلم بعين اللفظ أو لطريان النسيان فيما سمعه أو لوقوفه عليه في كتاب لا يؤمن عليه من التدوير أو لقرائن غير بالغة حد العلم فلا ريب في عدم جواز التعويل عليه نعم يجوز أن يخرج مؤيدا وكانت الرواية عن غير المعصوم فلتحملها عنه أيضا وجوه منها أن السماع من الشيخ ولا فرق بين روايته له من كتاب أو حفظ وإن كان الأول أقرب إلى الضبط فإن قصده بالسماع ولو مع غيره قال حدثني أو أخبرني أو ما أشبه ذلك وإن قصد غيره خاصة قال سمعته يحدث بكذا ونحوه والسماع على ما صرح به غير واحد منهم على وجوه التحمل لان الراوي أعرف بوجوه ضبط الحديث وبكيفية تأديته من الفصل والوصل والبناء والاعراب وغير ذلك مما يختلف باختلافه المعنى فربما ينبه السامع على الوجه المأثور بكيفية تأديته وهذا الوجه إنما يتضح جريانه فيما إذا كان الراوي متحملا بالسماع وشبهه لا بالإجازة والمناولة ونحوهما ولأنه خليفة المعصوم عليه السلام وسفيره إلى الرعية فينبغي الاخذ منه كالاخذ منه وهذا الوجه لا يقتضي كون السماع أعلى من حيث الحجية بل من حيث كونه أنسب بالتأدب ولأن توجه السامع للحديث إليه أقوى من توجه القاري إليه ولهذا نرى أنه يحفظ السامع ما لا يحفظه القاري ولا يعارضه قرأته من جانب الراوي لان سبق خبرة بالرواية بل تكرر مراجعته إليها أغنى عن اعتبار مزيد توجهه حال الرواية إليها بخلاف المتعلم لها ولصحيحة عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام يجيئني القوم فيستمعون مني حديثكم فأضجر ولا أقوى قال فاقرأ عليهم من أوله حديثا ومن وسطه حديثا ومن آخره حديثا فاقتصاره على قراءة الأحاديث الثلاثة عند العجز يدل على رجحان قراءة الجميع عند عدمه ومنها عرض الحديث على الشيخ وقرأته عليه مع إقراره به وفي حكم الاقرار سكوته الدال عليه بقرائن الأحوال فيقول قرأته عليه فأقر به أو حدثني أو أخبرني قراءة عليه ومنع السيد من الأخيرين لان معنى قوله حدثني وأخبرني السماع فيناقضه قوله قرأته عليه وضعفه ظاهر إذ لا مناقضة له مع المعنى المجازي ومناقضته مع المعنى الحقيقي غير ضائر وإلا لا نسد باب المجاز وأجاز بعضهم حدثني وأخبرني بدون قوله قرأته عليه ويشكل بأن ظاهره حينئذ سماع الحديث فيلزم الكذب إلا أن ينصب قرائن على خلافه فيكون في حكم التقييد ومنها الإجازة وهي الرخصة في رواية الحديث عنه عمن يرويه عنه بقوله أجزت لك أن تروي عني أو ارو عني هذا أو ما أفاد ذلك ثم الإجازة كما قد يكون في كتاب معين مشخص كأن يقول أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب ولا بد حينئذ أن يكون الكتاب مأمونا عليه من الغلط أو التصحيف أو يجيز له الرواية بعد التصحيح أو في كتاب معين غير مشخص كأن يقول أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من كتابي المعهود أو من