الشيخ محمد حسين الحائري
308
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
وضعفه ظاهر لان حصول الظن للغير بصدق الرواية لامارة يعتمد عليها لا يوجب حصوله لنا مع علمنا باختلاف الآراء في الامارات ولو صح ذلك لجاز العمل بكل رواية ضعيفة عمل بها فقيه نظرا إلى ظن العامل بصدقها وفساده ليس بموضع تأمل احتج من منع من القبول مطلقا على الصورة الأولى بما مر وعلى الصورة الثانية بأن تزكية الراوي شهادة فلا تقبل مع جهالة العين والجواب المنع من كونها من باب الشهادة بل مبناها على الظن كما مر مرارا فصل يجوز للراوي نقل الحديث بالمعنى ولا يسقط به عن الحجية ولا نعرف في ذلك خلافا بين أصحابنا وعليه أكثر مخالفينا وذهب بعضهم إلى المنع منه مطلقا وبعضهم إلى المنع في غير المرادف وموضع النزاع في الجواز ما إذا نقل مدلول الحديث بغير لفظه وأسنده بلفظ قال أو مرادفه وأما نحو أمر بكذا ونهى عن كذا أو صرح بنقل المعنى فلا كلام نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك نقل الخطب والأدعية ونحوهما مما يستظهر منه عند إطلاق الاسناد نقل اللفظ نظرا إلى تعلق القصد به غالبا فلا يجوز نقله بالمعنى من غير قرينة تدل عليه وفي الحجية ما إذا لم يتعذر الوصول إلى الأصل مع احتمال التعميم أخذا بإطلاق المنع لنا أولا جريان طريقة السلف على ذلك كما يظهر بالتتبع والفحص ولم يسبق من أحد إنكار على الناقل ولا على العامل مع ما نرى من إكثارهم الانكار والقدح بما كانوا يعدونه من أسبابه كالرواية من الضعفاء والتعويل على المراسيل وما أشبه ذلك وذلك إجماع منهم على جوازه وحجيته وهو المطلوب وثانيا اتفاقهم على جواز تأثيره بالعجمية والاعتداد به وبالقرينة أولى لأنها أقرب ويشكل بأن موضع الاتفاق على المطلوب جواز ذلك مع القرينة والاعتداد به مع تعذر الوصول إلى الأصل لا مطلقا وهو خارج عن محل البحث وثالثا أن الغرض من الخطاب إفادة المعاني فلا عبرة بخصوص الألفاظ ورابعا أنه تعالى قص القصص بلغة العرب وحكاها بلفظ القول وهي بين ما لم تقع بلغتهم وبين ما وقع بلغتهم لكن بلفظ وأسلوب آخر لاشتمال القرآن على فصاحة لا توجد في غيره ولا يساعد عليها وسع البشر وأيضا قد قص القصة الواحدة بعبارات مختلفة مع أن الواقع غير متعدد فالمنقول ليس إلا المعنى ويمكن دفعه بأن ما دل دليل أو أمارة على كونه نقلا بالمعنى ومنها الوجوه المذكورة فلا إشكال فيه لأنه نقل بالمعنى مع القرينة والكلام فيما تجرد عنها وأما فيما عدا ذلك فنمنع كونه نقلا بالمعنى تعويلا على الظاهر وخامسا شهادة بعض الأخبار بذلك كصحيحة محمد بن مسلم قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص قال إن كنت تريد معانيه فلا بأس لا يقال لعل المراد الزيادة والنقصان في مقام التفسير أو الفتوى والتفريع أو النقل المقرون بالقرينة لأنا نقول إطلاق الرواية يقتضي عدم الاختصاص بذلك والتقييد يستدعي دليلا وإذ ليس فليس ويمكن الاحتجاج على حجية المنقول بالمعنى أيضا بالدليل العقلي إذ الوجوه المذكورة إذ لم تفد القطع بحجيته فلا أقل من إفادتها الظن بها وقد قررنا حجية الظن في الطريق حجة المنع وجوه منها أن قول الراوي قال ظاهر في صدور اللفظ فإذا أراد به نقل المعنى فقط كان كذبا وتدليسا والجواب المنع من ظهوره في ذلك لجريان العادة في الحكايات على خلافه فإن السامع إنما يحفظ المعاني غالبا دون الألفاظ لتعسر ضبطها مع عرائه عن فائدة يعتد بها فلفظ القول إما حقيقة في القدر المشترك أو مجاز شائع فيه بحيث لا ينصرف عند الاطلاق إلى نقل اللفظ ومنها أن فهم المعاني من الألفاظ بالاجتهاد وتعويل الفقيه فيه على نظر الراوي تقليد له والجواب المنع من كونه تقليدا له بل التعويل عليه من حيث إفادته للظن بالمراد كالتعويل على نقل اللغوي بل كالتعويل عليه في نقل اللفظ ولو سلم أن مثل ذلك تقليد فبطلانه ممنوع والسند ظاهر مما مر مع أن الخطاب الشفاهي كثيرا ما يفهم منه معانيه بطريق الضرورة فإطلاق القول بأن المعنى يفهم بالاجتهاد ممنوع ومنها أنه لو جاز النقل بالمعنى وتكرر لأدى إلى نقيض المطلوب إذ النقل لا ينفك عن تفاوت واختلاف ولو يسيرا والجواب أنا لا نجوز النقل مطلقا بل عند خلوصه عن التفاوت والاختلاف كما سيأتي ومنع إمكانه عادة واضح الفساد ومنها قوله صلى الله عليه وآله نصر الله من سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها وفي رواية رحم الله وقوله صلى الله عليه وآله فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وفي رواية إلى من لا فقه له والجواب أن الرواية الأولى دعاء ولا دلالة فيها على الوجوب سلمنا لكن يصدق إذا أدى المعنى من غير تفاوت أنه أداه كما سمعه سلمنا لكن معارضة بما هو أقوى منها سندا ودلالة وقضية الجمع تنزيلها على تأدية المعنى كما سمع أو على الاستحباب والرواية الأخيرة لا تنافي النقل بالمعنى إذ مدار الفقاهة والتفريع على الاستنباط من المعاني غالبا مع أنها إنما تدل على وقوع النقل باللفظ لا على اختصاص جوازه به ولا يذهب عليك أن هذه الوجوه لو تمت لدل بعضها على منع الجواز وبعضها على منع الحجية ولا خفاء فيه على الناظر الفطن فصل اشترط القائلون بجواز نقل الحديث بالمعنى في جوازه أمورا منها أن يكون الناقل عالما بمواقع الألفاظ وهذا الشرط كما يعتبر بالنسبة إلى الكلام المنقول منه كذلك يعتبر بالنسبة إلى الكلام المنقول إليه والمراد من العلم بمواقع الألفاظ العلم بمداليلها وبما يلزمها باعتبار الهيئات والأحوال سواء علم ذلك بمساعدة الطبع أو بإعمال القواعد المقررة والظاهر منه اعتبار العلم التفصيلي فيتوجه عليه الاشكال بإمكان التعويل في ذلك على قول الثقة العارف بوحدة المفاد فيصح الاسناد حينئذ مع انتفاء الشرط ويمكن التفصي عنه بأن يراد بالعلم ما يعم التفصيلي والاجمالي الذي في الفرض المذكور فإن علم الناقل فيه بوحدة المفادين علم بمواقع تلك الألفاظ إجمالا أو يعتبر الاشتراط بالنسبة إلى الناقل من قبل نفسه كما هو الغالب ومنها أن لا يقصر النقل عن إفادة المراد ولعل المراد أن لا يكون النقل بحيث يظهر منه خلاف المراد