الشيخ محمد حسين الحائري

282

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

مسألة جواز التعويل على مطلق الظن في مباحث الفقه وعدمه بعد انسداد باب العلم فعلى ما قررت من حجية الظن في الأصول إذا حصل لنا ظن بجواز التعويل على ذلك ثبت ما ذكروه من حجية مطلق الظن في الفقه وبطل ما ذكرته من حجيته في الأصول قلت أولا لا سبيل إلى حصول الظن بذلك بعد تسليم الانسداد لمن سلك جادة الانصاف وترك طريق التمحل والاعتساف فإن الذي يظهر لنا من طريقة أصحابنا قديما وحديثا اقتصارهم على حجية الظنون المخصوصة والتزامهم بأصالة عدم حجية ظن لا دليل على حجيته فإنا إن لم نقطع بإطباقهم على ذلك بفساد حجية مطلق الظن فلا أقل من حصول ظن قوي لنا به وأما ركون بعض متأخري متأخريهم إلى هذه الطريقة فمبني على ما عرفت من عدم قيام دليل قاطع على الاحكام ولا على إثبات ما تندفع به الضرورة من طرقها وقد عرفت أن ذلك متجه عندنا لكنه إنما يوجب جواز العمل بالظن في الطريق وأما ثانيا فلانه لا ينافي ما قررناه من التعويل على الظن في الأصول مع عدم التمكن من تحصيل العلم فيها فإنا إنما نريد التعويل عليه فيها على قدر الحاجة في الفقه فإذا قدر حصول الظن بهذه المسألة العامة المورد حصل قدر الحاجة لإغنائها عن الظن في بقية مباحثها فيكون التعويل في الظنون الفقهية من حيث الظن في الأصول وهو المقصود ثم إنهم أوردوا على البيان المذكور من وجهين الأول أن انسداد باب العلم إنما يوجب جواز العمل بالظن إذا لم ينصب الشارع حينئذ طريقا مخصوصا وهو ممنوع للاجماع على حجية بعض الطرق كظاهر الكتاب وأصل البراءة والجواب أن الطرق المعلومة لا تنهض إلا بمعرفة قليل من الاحكام ولا ريب في بقاء التكليف بما عداها مما لا طريق قطعيا إليها فيتعين التعويل على الظن في معرفتها أو معرفة طريقها على ما مر وأجاب بعض المعاصرين أيضا بمنع الاجماع على حجية أصل البراءة مع ورود خبر الواحد على خلافه وفيه نظر يعرف مما مر وهو أنه لا كلام في حجية أصل البراءة حيث لا دليل معلوم الحجية على خلافه وإنما الكلام في حجية ما يخالفه من خبر الواحد وغيره الثاني ما ذكره بعض المحققين وملخصه أنا لا نسلم بقاء التكليف إلا حيث نقطع به أو يدل عليه أمارة قام على حجيتها قاطع ويمنع بقاؤه حيث ينتفي فيه الأمران فنعمل فيه بأصل البراءة لا لكونه مفيدا للظن فيعارض بالظن الحاصل من خبر الواحد مثلا ولا للاجماع فيمنع قيامه في محل النزاع بل لقطع العقل بأنه لا تكليف حيث لا قطع ولا قطعي ويؤكده ما ورد من النهي عن اتباع الظن وعلى هذا ففيما يكون لنا مندوحة عنه كغسل الجمعة يحكم فيه بجواز الترك على مقتضى الأصل وأما حيث لا مندوحة فيه كوجوب الجهر والاخفات في التسمية حيث ذهب إلى كل فريق ولا يمكن ترك التسمية فلا محيص لنا عن الاتيان بأحدهما فنحكم بالتخيير فيهما ولا حرج لنا في شئ منهما واعترض عليه بعض المعاصرين بوجوه الأول أن الضرورة قاضية ببقاء التكليف فيما عدا القطعيات ولو في الجملة فلا يصغى إلى المنع المذكور والعمل بالأصل إنما يتم حيث لا قطع ببقاء الاشتغال أصلا لا إجمالا ولا تفصيلا وهذا متجه لكن يمكن المناقشة فيه بأن ما عدا القطعيات لا سيما الخلافيات منها كما هو الأكثر مما يمكن أن يؤدي فيه نظر العامل بخبر الواحد أو بمطلق الظن إلى القول بالبراءة لا للأصل بل للأدلة الخاصة والظاهر جواز التعويل على نظره حينئذ إما لعدم القطع بمخالفة شئ منها للواقع وإما لان القطع الاجمالي لا يجدي في رفع ما قام عليه حجة في الظاهر لا سيما إذا خرج عن حد الحصر وقد مر ما يؤيد ذلك في مبحث الاجماع المركب وحينئذ فيبقى العدول عن العمل بالأصل أو لا بلا فائدة ولا يخفى ما فيه لان الفرض المذكور مما يحيله العادة وإن كان ممكنا في نفسه فلا يلزم خلو العدول عن الفائدة الثاني أن القطعيات أمور إجمالية غالبا كالصلاة والحج ولا سبيل إلى معرفة تفاصيلها من أجزائها وشرائطها إلا بالظن ولا يجدي العلم ببعض أجزائها وشرائطها للعلم الاجمالي بوجوب أمور أخر فيها مما عداها وكذا الحال في الحكم بين الناس فإن وجوبه معلوم بالاجماع وكذا بعض أحكامه ككون البينة على المدعي واليمين على المنكر لكن لا سبيل إلى معرفة تفاصيل ذلك من تعيين حقيقة المدعي والمنكر وتعيين البينة وتحقيق ما يعتبر فيها من العدالة وغير ذلك ليس إلا بالظن ويمكن المناقشة فيه أيضا بأن دعوى القطع الاجمالي بوجوب غير الاجزاء والشرائط المعلومة في محل المنع لا سيما إذا اختص موضع الشك بالمسائل الخلافية مع انتقاضه بما لو أدى نظر العامل بالظن إلى القول بالنفي ولو في أكثر المواضع التي لا قطع فيها بحيث لا يبقى قطع بالتكليف بالنسبة إلى الباقي وبأنه يمكن الاقتصار في الحكم بين الناس على موارد اليقين ويعمل في غير موارده بما يعمل به العامل بالظن عند تصادم الظنون والتردد من الالزام بالصلح أو الاحتياط أو التخيير ووجه الدفع ما عرفت الثالث أنا لا نسلم قطعية مقتضى أصل البراءة مطلقا ولو سلم فمخصوص بما قبل ورود الشرع وأما بعده فلا لان علمنا الاجمالي بثبوت الاحكام فيه يمنعنا عن العمل بمقتضاه ولو سلم فإنما يسلم حيث لا يعارضه خبر صحيح وإن أراد الحكم الظني الناشئ من جهة الاستصحاب فهو أيضا مستفاد من ظواهر الآيات والاخبار ولا دليل على حجيتها بالخصوص مع أنه ممنوع بعد ورود خبر مفيد لظن أقوى منه وهذا ضعيف إذ التحقيق عندنا أن أصل البراءة من الأدلة القطعية المستفادة من العقل والنقل على الاحكام الظاهرية في حق من لم يقم عنده دليل على خلافه من غير فرق بين ما قبل ورود الشرع وما بعده ولا ما بين وجود خبر صحيح على خلافه لم يثبت عنده حجيته وبين عدمه نعم لا يتجه التمسك به في في الماهيات التي علم بها إجمالا عند جماعة والمتجه على هذا القول إعمال أصل الاشتغال والآتيان بما يحصل معه اليقين بالبراءة الرابع أن قوله ويؤكده إلخ مدفوع بأن تلك العمومات لا تفيد إلا الظن بل هي ظاهرة في غير الفروع ودعوى الاجماع على حجية ظاهر الكتاب حتى فيما هو محل البحث ممنوعة وإن تمسك فيه بالاخبار فهي ظنية الشمول للمقام وإن فرض التواتر فيها وهذا أيضا ضعيف لان