الشيخ محمد حسين الحائري

269

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

لازما لآحادها مع عدم العلم بصدق شئ منها فغير واضح وقد نزل على ذلك كلام العضدي في التواتر المعنوي وعبارته صالحة للتنزيل على غير ذلك كما لا يخفى على من لاحظها تنبيه قال الفاضل المعاصر قد يشتبه ما يحصل العلم فيه بالتسامع والتظافر وعدم المخالف بالتواتر فمثل علمنا بالهند والصين وحاتم ليس من جهة التواتر لأنا لم نسمع ذلك إلا من أهل عصرنا ولم يرووا لنا عن سلفهم أصلا فضلا عن عدد يحصل به التواتر وذلك وإن لم يستلزم عدم حصول التواتر في نفس الامر إلا أن علمنا لم يحصل من جهته بل الظاهر أنه من إجماع أهل العصر وعدم نقل مخالف عن سلف وذلك نظير الاجماع على المسألة الشرعية وأكثر الأمثلة التي تذكر في الباب من هذا القبيل وليس من باب التواتر وكم من فرق بينهما والمثال المناسب لهذا العصر نقل زلزلة تتفق في بلد ويتظافر المشاهدون لها في الاخبار عنها حتى يحصل القطع بها انتهى ملخصا أقول تحقق التواتر في الأمثلة التي ذكرها ونظائرها مما لا مجال لانكاره ودعوى استناد العلم فيها إلى مجرد الاتفاق مما لا إشكال في فساده ومنشأ هذا الوهم عدم الفرق بين نفس التواتر وبين الطريق الموصل إليه وتحقيق المقام أن التواتر على ما عرفت هو إخبار جماعة يمنع كثرتهم تواطأهم على الكذب ولا ريب أن وجود التواتر في الخارج بمجرده لا يوجب العلم بالواقعة بل لا بد من العلم به والطريق إليه أمور منها الوقوف عليه بسماع الخبر من العدد الذي يحصل التواتر بخبرهم وهذا لا يجري إلا حيث يتحد فيه الطبقة وما ذكره من مثال الزلزلة من هذا القبيل وكذا مثال وجود الهند بالنسبة إلى كثير من الناس ومنها أن يعلم به بتواتر الاخبار به كإخبار كل مخبر في الطبقة الأولى عن كل مخبر في الطبقة الثانية وهكذا أو إخبار كل مخبر عن مخبر مغاير لمخبر الاخر ولا يلزم حينئذ أن يزيد الطبقة العالية على عدد التواتر ليحصل العلم بإخبار عدد يحصل به التواتر في تلك الطبقة بل يكفي تنزيل كل سلسلة منزل خبر واحد فإذا امتنع اتفاق الجميع على الكذب لكثرتها كان تواترا ومن هذا الباب حديث الغدير الذي ترويه الخاصة والعامة بطرق متكثرة ومنها أن يعلم به خبر الواحد المحفوف بالقرائن الصدق ومنه إخبار المعصوم به ومنها طريق الحدس وهو الغالب في العلم بحصول التواتر في الطبقة العالية بيانه أنا إذا وجدنا أهل زماننا متفقين على الاخبار صريحا أو التزاما بوقوع واقعة مثلا في سالف الزمان فقد نقطع بملاحظة العادة في تلك الواقعة أن اتفاقهم على ذلك لا يكون إلا عن اتفاق مثله على الاخبار بذلك إلى أن ينتهي السلسلة إلى الشاهدين اللذين نقطع بمقتضى العادة في تلك الواقعة بلوغهم درجة التواتر فيكون علمنا بالواقعة مستندا إلى التواتر المتأخر الكاشف عن التواتر المتقدم المعلوم لنا بطريق الحدس وما ذكرنا من مثال وجود حاتم من هذا القبيل وقد يستكشف بإخبار جماعة عن إخبار جماعة أخرى يحصل عدد التواتر بخبر مجموعهم فاتضح أن ما زعمه من أن أكثر أمثلة الباب من باب الاتفاق دون التواتر مما لا وجه له فتفطن ولا تغفل فصل اتفق أهل العقل على إمكان التواتر ووقوعه وحصول العلم به وخالف في ذلك السمينة والبراهمة ولهم على ذلك شكوك واهية منها أنه كاجتماع الخلق الكثير على طعام وأنه ممتنع وجوابه منع المشابهة إن أريد به الطعام الواحد بالشخص لامكان الاجتماع وتوفر الدواعي غالبا هنا دون ما ذكروا إن أريد به الواحد بالجنس أو بالنوع فامتناعه ممنوع لا سيما الأخير وسند العيان مغن عن سند البيان ومنها أن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب وذلك يستلزم تجويز الكذب على الجميع لأنه نفس الآحاد وجوابه منع الملازمة بدليل أن آحاد العسكر لا يقومون بفتح البلاد بخلاف الجميع مع أنه نفس الآحاد وأن الجماعة الكثيرة يقومون برفع الحجر العظيم بخلاف آحادهم إلى غير ذلك من النظائر ومنها أنه يقتضي العلم بالمتناقضين إذا وقع التواتر فيهما وجوابه المنع من جواز وقوع مثل ذلك عادة ولو سلم فهو ممتنع بالنسبة إلى شخص واحد في زمن واحد نعم يصح وقوعه بالنسبة إلى شخصين أو شخص واحد في زمانين لكنه لا يوجب محالا كما في سائر الأدلة القطعية المتعارضة ومنها أنه يوجب تصديق اليهود والنصارى فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليه السلام من أنه لا نبي بعدهما وذلك ينافي نبوة محمد صلى الله عليه وآله وهذا منهم دليل إلزامي وجوابه منع ثبوت الخبر المذكور عندهم بطريق الآحاد فضلا عن تواتره عندنا كيف والمذكور في التوراة والإنجيل خلاف ذلك ومجرد الدعوى غير مسموعة وقد يقال إن بخت النصر قد استأصل اليهود ولم يبق منهم عدد يحصل التواتر بخبرهم ومنها أنه لو حصل به العلم الضروري لكان كسائر الضروريات وليس كذلك لأنا إذا راجعنا وجداننا فرقنا بين علمنا بوجود إسكندر وعلمنا بأن الواحد نصف الاثنين والجواب أن الضروريات قد تختلف وضوحا وخفاء ولزوم التساوي فيها ممنوع والوجدان أوضح سند على ذلك ومنها أن الضروري يستلزم الوفاق وقد خالفناكم والجواب منع الملازمة لجواز العناد والمباهتة واعلم أن هذه الشكوك لو تمت لدل الأول منها على استحالة وقوع التواتر والشكوك الثلاثة التي بعدها تدل على عدم حصول العلم منه بالنسبة إلى من تفطن لها والتزم بصحتها والشك الذي بعدها يقتضي أن لا يكون العلم الحاصل منه ضروريات والشك الأخير يقتضي أن لا يكون العلم بكونه مفيدا للعلم ضروريا فصل اختلفوا في العلم المستفاد من التواتر فالأكثرون على أنه ضروري وذهب قوم إلى أنه نظري وفصل بعضهم فجعل بعض أنواعه ضروريا وبعضها نظريا وعن الغزالي أنه جعله قسما ثالثا فقال في بعض مصنفاته على ما نقل عنه العلم الحاصل بالتواتر ضروري بمعنى أنه لا يحتاج إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة قال التفتازاني يريد أنه ليس بديهيا أوليا ولا كسبيا بل من الضروريات التي قياساتها معها كقولنا العشرة نصف العشرين وقد ينزل كلامه على أنه من النظريات التي يشترك فيها الخواص