الشيخ محمد حسين الحائري
251
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
فقصور دلالتها على ما ذكروه أوضح وحملها على المعنى المتقدم ممكن وأما العقل فتقرر بوجهين الأول أن العادة مخيل اجتماع الكل على الحكم الشرعي من غير دليل قاطع لما ترى من اختلاف أنظارهم وأفكارهم فإن الدليل الظني مما لا يتفق التوافق عليه عادة وفساده واضح لجواز توافقهم عن دليل ظني أجمعوا على حجيته كخبر الواحد أو عن أدلة ظنية عول كل فرقة منهم على بعضها ولا يستفاد القطع من مجموعها وبالجملة لا نسلم قضاء العادة في جميع الموارد بعدم الاتفاق عن دليل ظني نعم قد يكشف الاجماع عن كون المستند قطعيا لكنه لا يثبت المقصود وهو كون الاجتماع حجة على الاطلاق الثاني أن الجميع قد أطبقوا على القطع بتخطئة المخالف للاجماع والعادة تخيل اجتماعهم على القطع بحكم شرعي من غير دليل قاطع وأورد عليه أمران الأول أن الشيعة وغيرهم كبعض الخوارج والنظام قد منعوا من حجيته فكيف يدعى إطباق الجميع وأجاب عنه بعض من أخذته الحمية لدين آبائه وغشي بصيرته التحفظ لطريقة كبرائه بأن هؤلاء لشرذمة قليلون من أهل البدع والأهواء قد نشئوا بعد اتفاق الآراء فلا يعتد بهم ولا بخلافهم وأنت خبير بأن ما نسبوه إلينا من إنكار حجية الاجماع افتراء منهم علينا كسائر مفترياتهم في ترويج طريقتهم الكاسدة وتصحيح مبتدعاتهم الفاسدة فإنا لا ننكر حجية الاجماع مطلقا وإنما ننكر حجيته من حيث كونه إجماعا وننكر انعقاده في زمن الغيبة بمجرد اتفاق العلماء المشاهدين مع أن منا من يعتد به في الحجية كما عرفت والثاني أنه إثبات حجية الاجماع بالاجماع وأنه دور وجوابه واضح لان حجية هذا الاجماع على ما عرفت من الدليل ليس لحجية مطلق الاجماع بل لكشفه عن الدليل القاطع فلا يلزم الدور أقول ويرد عليه المنع من قطع الكل بحجية الاجماع فإن فساد هذه الدعوى مما لا يكاد يشتبه على الجهال فضلا عن غيرهم بل قد قيل إن أول من ألقى هذه الشبهة بين الناس واستخف قومه بها هو الثاني حيث رام ردع الخلق عن أهل الحق فلم يجد سبيلا إليه سواها فروى لهم أنه سمع من الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال لا تجتمع أمتي على الخطأ فأشار لهم إلى الاجتماع على أمير والبيعة معه وأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا على الحق بذلك وعجل بذلك مخافة أن يفرغ صلوات الله عليه ومن كان معه من خواص الأمة من تغسيل الرسول وتجهيزه صلى الله عليه وآله ودفنه والصلاة عليه ويخلوا بمرامه فتركوا تشييع جنازة نبيهم والصلاة عليه وتفرقوا من حوله وسارعوا إلى عقد البيعة ونصب الأمير ثم قد وقع التشاجر بينهم هناك مما لا يخفى على من وقف على كتب الفريقين واطلع على الأحوال التي جرت في البين فإن زعموا أن الذين اجتمعوا على بيعة الأول كانوا قاطعين بحجية الاجماع ولو لتلك الرواية لقطعهم بصحة صدورها وبمراده منها فمجازفة واضحة إذ بعد تسليم وثاقة المجمعين وورعهم والتزامهم بعدم التخطي عن منهج الشريعة وخلوصهم من الدواعي النفسانية من حب الرئاسة والطمع في منصب الامارة أو بعض أهل الحق المنبعث من شقوتهم الذاتية وخبث فطرتهم الأصلية مع أن الكل ممنوع والآثار المنقولة سند واضح عليه فلم لا يجوز أن يكونوا قد عولوا على تلك الرواية من حيث كونها خبر آحاد وأنه حجة كما في سائر المسائل الشرعية وأن ظاهر اللفظ يقتضي ذلك فلا يعدل عنه من غير قرينة كيف لا وقد كان أكثرهم عواما همجا رعاعا وقد أنكر عليهم ذلك أولو الدراية والبصيرة التامة كعلي عليه السلام وسلمان وأبي ذر ومقداد فلم ينفع فيهم الانكار وأصروا على المعاندة والاستكبار حتى أنهم ألزموهم بها بالتحذير والتخويف ولو كان غرضهم عدم التخطي عن جادة الشريعة لما سلكوا هذه الطريقة الشنيعة مضافا إلى منكرات أخر صدرت منهم كغصب فدك ورد شهادة أهل العصمة وضرب عمار ونفي أبي ذر وطبخ المصاحف إلى غير ذلك مما يشهد به الرجوع إلى الكتب المعروفة والاسفار المشهورة وأما من تأخر عنهم فإن صح قطعهم بحجية الاجماع فإنما هو قطع عما غايته إثبات الظن في حق من قبلهم مع قلة الواسطة وقرب العهد وبالجملة فليس لهم في تأصيل مذهبهم مستند إلا الاجماع ولا لهم دليل على حجية الاجماع يصلح للذكر إلا هذه الروايات المقدوحة سندا ودلالة لان كتبهم وطواميرهم مشحونة بذلك ولو كان لهم دليل أقوى ومستند أجلى لذكروه وانتصروا به إذ طال ما تشاجروا في تصحيح مذهبهم الفاسد وترويج طريقهم الكاسد فلم يزيدوا على ذلك شيئا يكون أقوى دلالة وأوضح إفادة ولقد أفرط بعض سفهاء هؤلاء القوم وسفلتهم فادعى الضرورة على حجية الاجماع والظاهر أنه لما ضاق عليه المجال وانقطع به طريق الاستدلال استراح بجعل الدعوى ضرورية خوفا من شناعة الالزام ومحافظة على أساس دين آبائه وكبرائه من الانهدام وإلا ففساد هذه الدعوى في المقام مما لا يكاد يشتبه على أحد من الأنام واحتج منكروا الاجماع بوجوه سخيفة غير صالحة لان تذكر فالصفح عنها أولى وأجدر بقي في المقام مباحث مهمة لا بد من التنبيه عليها الأول ذهب بعض العامة إلى امتناع الاطلاع على الاجماع في غير زمن الصحابة نظرا إلى انتشار العلماء في أقطار الأرض وعدم إمكان الإحاطة بهم والوقوف على آرائهم وأما في زمن الصحابة فقد كان الاطلاع عليه ممكنا لقلة المسلمين واجتماعهم فكان الإحاطة بهم وبآرائهم متيسرة ورام باستثناء الصورة المذكورة تصحيح مذهبهم حيث إن مبناه على الاجماع واعترض عليه العلامة بأنا نجزم بالمسائل المجمع عليها جزما قطعيا ونعلم اتفاق الأمة عليها علما وجدانيا حصل بالتسامع وتظافر الاخبار عليه وأورد عليه في المعالم بأن مقصود ذلك القائل عدم إمكان الاطلاع على الاجماع ابتدأ من غير جهة النقل وما ذكر إنما يدل على حصول العلم به من طريق النقل كما يدل عليه كلامه أخيرا فلا ورود له عليه ورده بعض المعاصرين بأن مراد العلامة تظافر الاخبار على نقل كل فتوى من فتاوى العلماء لا على نقل الاجماع ومنشأ الغفلة إفراد الضمير المجرور في عليه أقول وفي كل من الرد والايراد والاعتراض مع أصل الدعوى نظرا ما في الرد فلانه مع كونه تعسفا في كلام العلامة من حيث تذكر الضمير مع تأنيث المرجع الذي ذكره مضافا إلى عدم سبق ذكره ضعيف لان العلم بالاجماع على تقديره أيضا يكون بالنقل غايته أن يكون النقل تفصيليا وإطلاق كلام المورد يتناول النقل التفصيلي والاجمالي وأما في الايراد فلان مقصود القائل منع إمكان