الشيخ محمد حسين الحائري
241
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
يقول تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا الآية وجه الدلالة أن القرآن لو لم يكن حجة في نفسه فأي إنكار يتوجه عليهم بمجرد سماعها ومنها قوله عليه السلام فيمن شرب الخمر وادعى جهله بتحريمها ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد وجه الدلالة أن الكتاب لو لم يكن في نفسه حجة فكيف يصح ترتب الحد عليه بمجرد تلاوة آية التحريم عليه ومنها الأخبار الدالة على عرض الخبرين المتعارضين على الكتاب والاخذ بالموافق وطرح المخالف وأنه زخرف ويضرب به وجه الجدار فإن سياق تلك الأخبار يدل على كمال الاعتداد بما هو المفهوم من الكتاب وليس فيها إشعار بتخصيص ذلك بما إذا كانت الآية المعروض عليها مفسرة فإن ذلك قليل في مورد التعارض بل الظاهر أن المخالف لا يلتزم به فإن قلت لعل موافقة أحد الخبرين للآية يكفي في كونها مفسرة فلا ينافي ما ذكروه قلت تعميم التفسير إلى مجرد الموافقة بعيد جدا ونحن نحتج بهذه الاخبار على المخالف على ما يظهر لنا من كلامه ولو نزلوا هذه الأخبار على أن موافقة أحد الخبرين للكتاب مرجحة للعمل به وإن لم يكن الكتاب على مدلوله حجة فمنافرة مساقها لذلك مما لا يكاد يخفى على أحد واعلم أن الأخبار الدالة على حجية الكتاب كثيرة يقف عليها المتتبع وفيما أوردناه في المقام غنية وكفاية احتجوا بظاهر جملة من الاخبار منها ما روي عن الصادق عليه السلام إنما يعلم القرآن من خوطب به ومنها قوله عليه السلام وجعل للقرآن ولعلم القرآن أهلا إلى أن قال وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم ومنها الأخبار الدالة على عدم جواز تفسير الكتاب بالرأي وقد حكم بصحتها الشيخ الطبرسي في مجمع البيان حيث قال واعلم أن الخبر قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة القائمين مقامه أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح قال وروى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فأخطأ ثم قال ذكر جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وغيرهم والجواب أن هذه الأخبار على تقدير تسليم صراحتها في نفي حجية الكتاب معارضة بالاخبار المتقدمة الدالة على حجيته ولا ريب في أن الترجيح لتلك الأخبار لكثرتها واعتضادها بعمل الأصحاب وصريح الكتاب مضافا إلى بعض الوجوه السابقة مع أنا لا نسلم صراحتها فيما زعموه بل ولا ظهورها فيه فإن الرواية الأولى مع شمولها لغير المعصومين من المخاطبين وهم لا يقولون بحجيته في حقهم بدون البيان إنما تدل على حصر العلم بالقرآن بمن خوطب به وهو أعم من العلم بكله وبعضه إذ ليس المراد العلم بنفس القرآن بل بمعانيه كلا أو بعضا كالمتشابه وتقدير المعاني فيه ليس بأولى من تقدير المتشابه ولو سلم ظهوره في العموم فتنزيله على العموم المجموعي غير مفيد لا سيما إذا عممناه إلى العلم ببطونه وعلى الافرادي ممنوع خصوصا بعد مساعدة بعض الامارات كوضوح معاني أكثر الآيات عليه وبهذا يتضح الجواب عن الرواية الثانية وأما الروايات التي رواها الطبرسي فلا دلالة لها على ما ذكروه لان التفسير كما يظهر من العرف ويساعده تصريح البعض به هو كشف المغطى والمتشابه ولا ريب في عدم جواز ذلك من غير أثر معتبر مع أن الظاهر من التفسير بالرأي أن يكون المبنى فيه على الرأي والتشهي وليس الامر في محل البحث كذلك فإن مبناه على ما يقتضيه جواهر الألفاظ وما يعرضها من الهيئات بحسب أوضاعها اللغوية أو العرفية نعم يتجه ذلك في تفسير المتشابه حيث إن نسبة اللفظ إلى بعض محامله كنسبته إلى غيره فيكون التعيين من غير دليل مبنيا على مجرد الرأي والتشهي ولا ريب في عدم جوازه هذا وأجاب عنها الشيخ الطبرسي بوجه آخر حيث قال بعد ذكر ما مر نقله عنه والقول في ذلك إن الله ندب إلى الاستنباط وأوضح السبيل إليه ومدح أقواما عليه وقال لعلمه الذين يستنبطونه منهم وذم آخرين على ترك تدبره والاضراب عن التفكر فيه فقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وذكر أن القرآن منزل بلسان العرب فقال إنا جعلناه قرأنا عربيا إلى أن قال هذا وأمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر فيكون معناه إن صح أن من حمل القرآن على رأيه ولم يعلم شواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن القرآن ذلول أي ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه إلى آخر ما ذكره وأما ما زعمه بعض أهل هذا القول من موافقة الشيخ الطبرسي لهم فناشئ عن قصور نظره من استنباط مطالب العلماء من عبائرهم هذا وربما كان حجة المفصل أن إطلاق التفسير يتناول بيان الظاهر فيشمله الأخبار الدالة على تحريم التفسير بالرأي وأن الآيات التي يحتمل طريان النسخ عليها من جملة الظواهر وقد ورد المنع من العمل بالكتاب في حق من لا يعلم بمنسوخاته وهو يستلزم عدم جواز العمل بما يستظهر فيه عدم النسخ لأن عدم العلم أعم من الظن بالعدم وإذا ثبت عدم جواز العمل بهذا الظاهر ثبت بغيره إذ لا قائل بالفصل والجواب أما عن الأول فبالمنع من صدق التفسير بالرأي على بيان ما له ظاهر بل يختص ببيان المتشابه وقد مر بيانه وأما عن الثاني فبأن تلك الأخبار إنما وردت في حق من يتمكن من تحصيل العلم بمنسوخات الكتاب بالرجوع إلى الامام لحضوره فلا يثبت في حق من يتعذر ذلك بالنسبة إليه أو نقول المراد بالعلم ما يتناول الطريق الذي ثبت اعتباره شرعا ولولا ذلك لما جاز العمل بالآيات التي دلت أخبار الآحاد على سلامتها من النسخ ولا خفاء في أن أصالة عدم النسخ بعد الفحص المعتبر طريق معتبر على إثبات عدم النسخ عملا بعموم روايات الاستصحاب فلا يكون العمل بها من غير علم بعدم النسخ وأما ما يقال من أن أصحاب الأئمة عليهم السلام ما كانوا يعملون بعمومات الكتاب بمجرد الوقوف عليها وكانوا يعملون بعمومات الروايات المعتبرة بمجرد ورودها فبعد تسليمه مما لا ينافي ما قررناه لجواز أن يكون عمومات الكتاب [ عندهم ] موهونة بالعلم الاجمالي بورود التخصيص على جملة منها دون عمومات الأخبار التي يرد عليهم فكان حالهم بالنسبة إلى عمومات الكتاب كحالنا بالنسبة إلى سائر العمومات حيث لا يجوز لنا الاعتماد على شئ منها لكان العلم الاجمالي بورود التخصيص على كثير منها إلا بعد الفحص عن المخصص كما سبق بيانه في محله إذا عرفت هذا فاعلم أنه يجوز تفسير الكتاب بما يقتضيه جواهر الألفاظ على حسب ما ثبت لها عند النزول من الأوضاع إذا تجردت عن أمارات الخلاف مع