الشيخ محمد حسين الحائري
220
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
ظاهرا في بعض الأزمان أولا والنزاع على تقديره لفظي لكنه بعيد هذا والتحقيق عندي في المقام تفصيل آخر وهو أن المقيد إما أن يرد بعد حضور وقت الحاجة أو قبله ففي الأول يتعين إبقاء المطلق على إطلاقه والتصرف في الامر بالمقيد يجعله تكليفا آخر أو بحمله على الوجوب التخييري أو الأفضلية أو الندب لكن الأخير إنما يتم على القول بجواز توارد الوجوب والندب على الشئ الواحد مع تغاير الجهة وقد مر الكلام فيه نعم لو علم وحدة التكليف وأن الامر بالمقيد للوجوب التعييني تعين كونه ناسخا لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وما سبق إلى أنظار بعض المتأخرين من أن المقيد إذا ورد بعد العمل بإطلاق المطلق يكون ناسخا لا غير فهو على إطلاقه غير مستقيم لان الامر بالمقيد حينئذ إذا احتمل أحد الوجوه المذكورة رجح الحمل عليه على النسخ وإن كان مجازا لتقدم المجاز على النسخ من حيث ندرة النسخ وشيوع المجاز مضافا إلى أصالة بقاء الحكم الثابت وأما على ما نراه من كون الامر حقيقة في الموارد الثلاثة وإن كان خروجا عن ظاهره فالرجحان أظهر وكأنه قاس ذلك بالخاص الوارد بعد العمل بعموم العام وهو كما ترى لظهور التنافي هناك بخلاف المقام وفي الثاني يتعين حمل المقيد على المطلق وتنزيل المقيد على كونه بيانا للمطلق ما لم تيقن إطلاقه بمعاضد خارجي كالشهرة والتأكيد فيحمل على إطلاقه مع الترجيح وحينئذ فيحمل الامر بالمقيد على التخيير أو الأفضلية ويتوقف مع التكافؤ ويرجع الثمرة حينئذ إلى التقييد لكن مثل ذلك خارج عن محل البحث إذ الكلام في المحمل من حيث الاطلاق والتقييد لا من حيث القرائن الخارجية والمستند على التقييد فيما ذكرناه فهم العرف كما يظهر بالتأمل في مواقعه وموارد استعماله ولأن الظاهر من الامر الايجاب التعييني كما أن الظاهر من المطلق الاطلاق فيتعارضان إذ التقدير اتحاد التكليف فلا أقل من تكافؤ الاحتمالين إن لم نقل برجحان التقييد لشيوعه فيتعين العمل بالمقيد تحصيلا للبراءة اليقينية فإن العمل بالمقيد يوجب تعين الخروج عن العهدة لاشتماله على العمل بالمطلق أيضا بخلاف العمل بالمطلق في غير مورد التقييد فإنه لا يوجب تعين الخروج عن العهدة ولا امتثال شئ من الخطابين أما الخطاب بالمقيد فظاهر وأما بالمطلق فلجواز أن لا يراد به الاطلاق وأيضا شمول المطلق لغير المقيد مستند إلى دليل الحكمة وهو لزوم الترجيح من غير مرجح ومع ورود الامر بالمقيد يتحقق المرجح وهو كون المقيد مقطوعا بالإرادة فلا يتمشى الدليل واحتجوا في المشهور بأن في العمل جمعا بين الدليلين لان العمل بالمقيد يستلزم العمل بالمطلق بخلاف العكس واعترض عليه بأن هذا إنما يتم إذا لم يكن هناك احتمال التجوز في الامر بالمقيد بإرادة التخيير أو الأفضلية أو كان ذلك الاحتمال لكن كان مرجوحا بالنسبة إلى التقييد وأما مع تساوي الاحتمالين فيشكل الحكم بترجيح أحدهما بل يحصل التعارض المقتضي للتساقط أو التوقف ويبقى المطلق سليما عن المعارض وأجيب بأن الحمل على المقيد يوجب يقين البراءة في العمل بخلاف الحمل على المطلق فإنه لا يوجب اليقين فيتعين بالترجيح ورد بأنه مع احتمال التجوز في المقيد لا علم باشتغال الذمة بما زاد على المطلق فلا يجب تحصيل العلم بالبراءة منه وأورد عليه بعض المعاصرين بأنه إنما يتم إذا علمنا بأنا مكلفون بعتق رقبة ما ثم شككنا في كون الايمان شرطا فيه فتمسك في نفيه بالأصل وليس المقام كذلك لأنا عالمون فيه بأنا مكلفون إما بالمطلق أو بالمقيد فالمكلف به مجمل لا يحصل اليقين بالبراءة منه إلا بالمقيد وعندي في جميع ما ذكروه نظر أما في الاحتجاج فلان مجرد الجمع لا ينهض دليلا على التقييد لان في حمل الامر على الأفضلية أو التخيير أيضا جمعا بين الدليلين فلا بد أيضا من بيان الوجه في ترجيح هذا الحمل كما فعلناه أما في الاعتراض فلان البحث هنا فيما إذا ورد أمر بالمطلق وأمر بالمقيد ولا ريب أن مجرد ذلك لا يوجب احتمال التجوز في الامر أو الخروج عن ظاهره احتمالا مساويا للتقييد أو راجحا عليه فإن التقييد لشيوعه وغلبته يترجح على غيره من أنواع المجاز ومخالفة الظاهر وإن فرض هناك ما يوجب تقوية الاطلاق والوهن في دلالة الامر فهو خارج عن محل البحث كما نبهنا عليه ثم على تقدير تساوي الاحتمالين يتعين التوقف والرجوع إلى الأصول والقواعد الخارجية إذ لا نسلم بقاء المطلق حينئذ سليما عن المعارض كيف وقضية التساوي سقوط كل عن درجة الاعتبار وذلك لأنه إن أبقي حينئذ كل منهما سليما كان إخلالا بما يقتضيه التعارض وإن أبقي أحدهما كان ترجيحا بلا مرجح فيتعين إسقاطهما ويرجع في الثمرة إلى التقييد لا يقال لعل لرد بقاء إطلاق سليما عن المعارض للشك في تقييد المطلق إياه للشك في تقييد المطلق لأنا نقول هذا على بعده عن ظاهر كلامه غير مستقيم لان إطلاق الامر بعد التعليق تابع لاطلاق المتعلق أو المجموع دون نفس الامر كما يظهر بالتأمل في نظائره كالأمر المتعلق بالمشترك بين الجزئي والكلي أو الكل والجز وغيرهما ولا إطلاق هنا بشئ من الاعتبارين وأما في الجواب فلان ظاهره يؤذن بالاعتراف بما ادعاه المعترض من بقاء المطلق عند تساوي الاحتمالين سليما عن المعارض فنقول الاطلاق السليم عن المعارض حجة شرعية يوجب العلم بالبراءة في العمل بحسبه كما لو لم يكن هناك مقيد أصلا فلا حاجة في تحصيله إلى العمل بالمقيد وأما في الرد فلما بيناه في محله من عدم جريان أصل البراءة في الأجزاء والشرائط نعم من يرى جريان الأصل المذكور فيها يلزمه صحة التمسك به هنا ومنه يظهر ضعف إيراده على مذهبه وما يخيله من الفرق ففساده مما لا يحتاج إلى بيان وقد يستدل على ترجيح التقييد بأن