الشيخ محمد حسين الحائري
216
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
المجرد حملا لفعل المسلم لا سيما الثقة على ظاهره وهو بعيد نعم لو صرح راوي العام بعرائه عن المخصص حصل التعارض بين نقله ونقل الاخر للمخصص ويمكن ترجيح الثاني لتقدم المثبت على النافي والأظهر الحمل على النسخ الثالثة أن يعلم تأخر العام عن الخاص فإن علم تقدمه على زمان العمل به تعين أن يكون تخصيصا بناء على عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل وإن أجزناه أو علم تأخره عنه تعارض عموم الخاص باعتبار دلالته على ثبوت حكمه بحسب جميع الأزمان وعموم العام باعتبار دلالته على ثبوت حكمه بحسب جميع الافراد والظاهر ترجيح التخصيص على النسخ وقيل بل يرجح النسخ وهو محكي عن الشيخ ومنهم من توقف لنا أن التخصيص أقرب من النسخ في النظر لغلبته وندرة النسخ بالنسبة إليه فإن أكثر العمومات الواردة في الشريعة مخصصة وقل من الاحكام ما هي منسوخة فيتعين الحمل عليه ولأن التخصيص دفع للامر الغير الثابت والنسخ رفع للامر الثابت فيترجح احتماله عليه ولأن في التخصيص جمعا بين الدليلين وفي النسخ إهمال لأحدهما ولا ريب أن الجمع أولى من الاهمال وفي الوجهين الأخيرين نظر أما في الأول فلان الاعتبار إن كان بالظاهر فلا ريب أن كلا من النسخ والتخصيص رفع حيث أنهما يرفعان ما ثبت في الظاهر من عموم الحكم للأفراد كما في التخصيص أو للأزمان كما في النسخ وإن كان بالنسبة إلى الواقع فظاهر أن كليهما دفع للامر الغير الثابت فيه من التناول لجميع الافراد أو الأزمان لظهور أن الحكم غير ثابت فيهما واقعا وإلا لزم البدأ ويمكن دفعه على الأول بأن العام المتأخر لا ظهور له في العموم أصلا لسبق الخاص بخلاف عموم الخاص المتقدم فإنه حين وروده لا معارض له فيثبت له ظهور في الجملة وعلى الثاني بأن النسخ رفع للحكم الثابت واقعا ضرورة ثبوته كذلك قبله وإن كان ثبوته بحسب زمن النسخ مبنيا على الظاهر أو يلتزم بأن الحكم المنسوخ ثابت بحسب الواقع مطلقا ورفعه بالنسخ لا يوجب البدأ لأنه عبارة عن تغير العلم أو الإرادة الحقيقية والتكليف عبارة عن الإرادة الالزامية الابتلائية وأما في الثاني فلانا لا نسلم أن النسخ يقتضي إهمال أحد الدليلين بمعنى إلغائه رأسا وإنما يوجب إهمال عمومه للزمن المتأخر وهذا حاصل في التخصيص أيضا واحتج القائل بالنسخ بوجوه الأول أن من قال اقتل زيدا ثم قال لا تقتلوا المشركين كان ذلك بمنزلة أن يقول لا تقتل زيدا ولا عمرا إلى آخر الافراد فكما أن الثاني لا يحتمل إلا النسخ فكذا الأول لأنه بمنزلته والجواب منع عموم المنزلة والتساوي في جميع الأحكام فإن افتراقهما بالاجمال والتفصيل يوجب جواز التخصيص في الأول دون الثاني الثاني أن المخصص للعام مبين له فلا يصح تقدمه عليه والجواب أن تقدمه عليه ذاتا لا غبار عليه وإنما الممتنع تقدمه عليه بصفة البيانية وهو غير لازم على تقدير التخصيص فإن وصف التخصيص إنما يعرض له بعد ورود العام الثالث لو لم يكن العام المتأخر ناسخا لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب وإنه غير جائز وجوابه بعد المنع من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما سيأتي أن هذا ليس من باب تأخير البيان بل هذا من باب مقارنة البيان لمقارنة المبين له من حيث كونه مبينا وإن تقدم عليه من حيث ذاته وأما مناقشة بعض المعاصرين فيه بأن دعوى المقارنة وهم فإن وصف البيانية متأخرة عن المبين طبعا فوهم واضح لان المراد بها المقارنة العرفية كما هو الظاهر من إطلاقها في مثل المقام لا المقارنة العقلية أعني المقارنة بحسب الرتبة يدلك على ذلك أنهم جعلوا الصورة الأولى من باب المقارنة وليست المقارنة فيها غالبا إلا عرفية كما نبهنا عليه هذا ومما بيناه يظهر أيضا فساد توجيه بعضهم للدليل بأن المراد عدم جواز إخلاء العام عند إرادة التخصيص عن بيانه إذ لا نسلم أن العام حينئذ خال عن بيان التخصيص ووجهه ظاهر مما مر الرابع كما أن الخاص المتأخر يبطل حكم العام المتقدم لكونه منافيا متأخرا فكذلك العام المتأخر يبطل حكم الخاص المتقدم لكونه أيضا منافيا متأخرا وهو معنى نسخه له والجواب أن إبطال الخاص لحكم العام المتقدم ليس لمجرد كونه منافيا متأخرا بل ذلك مع قوة دلالته وعدم صلوح العام المتقدم لابطاله لأدائه إلى إلغاء دليل الخاص رأسا وشئ منهما غير متحقق في العام المتأخر الخامس ما نقل عن ابن عباس من قوله كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث والجواب منع ثبوت النقل المذكور وعلى تقدير تسليمه لا نسلم صحة التمسك به إذ لا تعويل عندنا على مقالة ابن عباس وفعله وبعد التنزل ننزل كلامه على الصور التي لا يحتمل التخصيص وإن جهل تقدمه على زمن العمل أو تأخره عنه كان حكمه حكم الجهل في الصورة السابقة الرابعة أن يجهل تقارنهما وتفارقهما على الوجه المذكور سواء علم تاريخ صدور أحدهما أو لم يعلم وعلى ما حققناه في الصور السابقة من ترجيح التخصيص على النسخ ما لم يتبين الخلاف يترجح هنا احتمال التخصيص مطلقا مع احتمال ترجيح النسخ حيث يعلم تاريخ العام ولا يعلم تاريخ الخاص نظرا إلى أصالة تأخره فيقارن آخر زمن العمل بالعام لان كلا منهما حادث دون زمن ورود العام للعلم بسبقه على زمن العمل بخلاف الخاص فإنه لا علم بسبقه على زمن العمل بالعام ولو عين مع ذلك الزمن الذي يقتضي العام وقوع العمل به فكان الاحتمال المذكور أظهر لكن مع معارضته ذلك بأظهرية التخصيص من جهة الغلبة لا جدوى فيه يعتد بها غالبا إذ لا بد من الاخذ بالخاص ورفض العلم بالعام في مورده على التقديرين وإن قدر كون العام قطعيا والخاص ظنيا لان أصالة التأخر لا يصلح حجة لاهمال الدليل مع ظن حجيته وما يقال من أن الخاص المتأخر إن كان واردا قبل حضور وقت العمل كان مخصصا وإن كان واردا بعده كان ناسخا ويبتني حجيته على الثاني على ما إذا كان الخاص قطعيا أو كان العام