الشيخ محمد حسين الحائري
197
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
أو مجازا إلى أقوال ثالثها حقيقة إن كان الباقي غير منحصر بأن يكون له كثرة يعسر العلم بقدرها وإلا فمجاز ورابعها حقيقة إن خص بغير المستقل كالشرط والصفة والاستثناء وإلا فمجاز وخامسها حقيقة إن خص بشرط أو استثناء لا بصفة وغيرها وعزي ذلك إلى القاضي وسادسها حقيقة إن خص بشرط أو صفة لا باستثناء وغيره وحكي القول به عن عبد الجبار وسابعها حقيقة إن خص بدليل لفظي متصل أو منفصل وثامنها حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه ونسب إلى الرازي والتحقيق عندي أن العام المخصوص إن كان تخصيصه باستعماله في الخاص باعتبار كونه للعموم وضعا فمجاز سواء كان موضوعا للعموم ابتدأ ككل وتوابعه أو كان موضوعا لمعنى يلزمه العموم ولو بحسب مورد الاستعمال كالنكرة في سياق النفي والجمع المحلى والمضاف والموصول عند عدم العهد وإن كان التخصيص بإخراج البعض كما في الاستثناء أو بصرف النسبة إليه كما في البدل أو بتقييد مدلوله كما في الوصف أو حكمه كما في الشرط والغاية بناء على عد الثلاثة المتأخرة من هذا الباب فحقيقة إن لم يوجد فيه جهة أخرى توجب التجوز فيه فالعام في نحو زارني كل عالم أو العلماء أو من زرته أو ما زارني عالم إذا أريد بلفظه في الموارد الأربعة البعض المقارب للكل حقيقة أو حكما باعتبار كونه للكل وبعبارة أخرى إذا أطلق اللفظ المخصوص بالكل وضعا على الجمل تنزيلا منزلة الكل فهو مجاز ونحو أكرم كل رجل عالم أو العلماء العدول أو إن كانوا عدولا أو إلى أن يفسقوا أو إلا الفساق أو العلماء عدولهم أو من أكرمك بأحد القيود الأربعة المتأخرة أو لا تهن رجلا بأحد القيود الأربعة المتقدمة فهو حقيقة فلنا في المقام إذن دعويان لنا على أوليهما أن العام إذا كان للعموم بحسب الوضع فاستعماله في غيره باعتباره استعمال له في غير ما وضع له فيكون مجازا لا محالة وسيأتي لهذا مزيد توضيح في دفع حجج المنكرين ولنا على الثانية أن العام على التقادير المذكورة مستعمل في تمام معناه الأصلي فيكون حقيقة وكون المقصود بالذات في الاستثناء تعلق الحكم [ واقعا ] بالبعض لا يوجب التجوز فيه لان ذلك إرادة من غير لفظ العام كما حققناه سابقا وعموم النكرة المتعقبة للنفي والمسورة بكل على حسب إطلاقها وتقييدها ففي الحقيقة اعتبار العموم فيهما متأخر عن اعتبار التقييد على تقدير اشتمالهما عليه وأما التخصيص بالشرط والغاية فهما راجعان في الحقيقة إلى تقييد الحكم المتعلق بالعام واستلزامه قصر العام على الافراد المشتملة على الشرط والمتحققة قبل الغاية راجع إلى تقييد مدلوله كما مر حجة القائلين بأنه حقيقة مطلقا أمران الأول أن العام كان متناولا للباقي حقيقة قبل التخصيص والتناول باق بعد لم يتغير وإنما طرأ عليه عدم تناول الغير وهو لا يوجب كونه مجازا فيما يتناوله والجواب أما أولا فبالنقض باستعمال اللفظ الموضوع للكل في الجز كإطلاق الانسان على بعضه فإن البيان المذكور جار فيه وليس حقيقة قطعا وأما ثانيا فبالحل وهو أنه كان قبل التخصيص يتناوله مع غيره وبعده يتناوله وحده وهما متغايران فكونه حقيقة في الأول لا يوجب كونه حقيقة في الثاني وأما منع بعض المعاصرين كون تناوله للباقي في ضمن تناوله للكل على وجه الحقيقة فليس بشئ لان المراد بتناوله للباقي على وجه الحقيقة تناوله له بالوضع أو حال كون الاستعمال حقيقة فالعام إن كان مجموعيا فالدال على الكل دال بتلك الدلالة على الجز فالدلالتان متحدتان ذاتا وإن تغايرتا في الاعتبار وقد مر بيانه في مبحث الدلالات وإن كان أفراديا فدلالته على كل فرد على وجه الوضع كما مر فالبيان فيه أوضح وأما ما يقال من أن كونه لا يتناول غيره أو يتناوله لا يغير صفة تناوله لما يتناوله فمدفوع بأن ذلك كيف لا يغير صفة تناوله لما يتناوله وقد لزم منه الاختلاف في كونه بحيث يتناول الغير أيضا أو لا يتناوله فإذا كان التناول حقيقة على أحد التقديرين فقط لزم أن يكون مجازا على الاخر الثاني أن العام المخصص بعد ملاحظة قرينة التخصيص يسبق منه الباقي إلى الفهم بحيث لا يحتمل غيره والتبادر علامة الحقيقة والجواب أن علامة الحقيقة هي التبادر بدون القرينة وإلا فالمعنى المجازي أيضا يتبادر من المجاز بعد ملاحظة القرينة فتبادر الباقي منه بعد ملاحظة قرينة التخصيص لا يوجب كونه حقيقة فيه وأما ما يقال من أن تبادر الباقي وإرادته منه لا يحتاج إلى القرينة وإنما المحتاج إليها عدم إرادة المخرج فجوابه أن الذي لا يحتاج إلى القرينة هو تبادر الباقي وإرادته في ضمن تبادر الكل وإرادته لا تبادره وإرادته مطلقا حجة القول بأنه مجاز في الباقي مطلقا وجهان الأول أنه لو كان حقيقة فيه أيضا لكان مشتركا والتالي باطل بيان الملازمة أنه حقيقة في العموم والباقي مغاير له ضرورة مغايرة البعض للكل فإذا كان حقيقة فيه أيضا لكان حقيقة في معنيين متغايرين فيكون مشتركا بينهما وأما بطلان التالي فلان الكلام في الألفاظ التي تختص بالعموم وضعا الثاني أنه لو كان حقيقة فيه لكان كل مجاز حقيقة والتالي متضح البطلان أما الملازمة فلانه إنما يحكم بكونه حقيقة لأنه ظاهر في الخصوص مع القرينة وإن كان بدونها ظاهرا في العموم وكل لفظ بالنسبة إلى معناه المجازي كذلك قال العضدي بعد أن ذكر الدليلين وقد يقال إرادة الاستغراق باقية إذ المراد بقول القائل أكرم بني تميم الطوال عند الخصم أكرم من بني تميم من علمت من صفتهم أنهم الطوال سواء عمهم الطول أو اختص ببعضهم ولذلك يقول أما القصار منهم فلا تكرمهم ويرجع الضمير إلى بني تميم لا إلى الطوال منهم وأيضا فلم يرد الباقي بوضع واستعمال ثان بل بالوضع والاستعمال الأول وإنما طرأ عليه عدم إرادة المخرج بخلاف المجاز وبه يعرف الجواب عن الثاني هذا كلامه وفي الوجهين نظر أما في الأول فلان وصف بني تميم بكونهم طوالا يوجب أن يراد به خصوص الموصوفين منهم بالطول دون غيرهم لامتناع وصف الجميع بكونهم طوالا إذا كان فيهم من