الشيخ محمد حسين الحائري
184
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الرسول لزم أن يعتبر فيه وجود المخاطبين واعترض عليه بأن التبليغ يتبع الخطاب فإذا كان الخطاب عاما وجب أن يكون التبليغ أيضا عاما وفيه أن مقصود المجيب بالتبليغ تبليغ الرسول بنفسه كما هو الظاهر وحينئذ فلا يتصور العموم فيه ومنها أنه تعالى خاطب الناس قبل خلقهم بقوله ألست بربكم كما هو نص الآية فلو كان قبيحا لما وقع وضعفه ظاهر أيضا إذ لا نسلم أن الخطاب هناك للمعدومين بل للموجودين لأنه تعالى خلقهم في عالم الذر ثم خاطبهم كما يدل عليه قوله تعالى قبل ذلك وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وقد نطق بمضمونه جملة من الاخبار وأما ما يقال من أنا نلتزم بمثل ذلك في المقام فنقول بأنه تعالى خاطبهم بالأحكام في عالم الذر ففيه أنه خروج عن المبحث إذ الكلام في جواز تعلق الخطاب بالمعدوم والتقدير المذكور لو ثبت لا يكون منه مع أن الكلام في عمومات الخطابات الواردة في ظاهر الشريعة ودعوى أنها متوجهة إلى الموجودين في عالم الذر على وجه يتحقق به مخاطبتهم بالمعنى الذي سبق مجازفة بينة ومنها ما ورد من الامر بقول لبيك بعد قول يا أيها الذين آمنوا وقول لا بشئ من آلا رب أكذب بعد قول فبأي آلا ربكما تكذبان فإن ذلك يدل على أن القاري مخاطب بهما وإلا لما حسن قول ذلك بعدهما ورد بأن المقصود من ذلك إظهار الايمان لا جواب الخطاب بدليل عدم استحبابه عقيب يا أيها الناس واستحبابه عقيب يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم وفي الاستشهاد بالآية الأخيرة نظر لامكان تعميم حكمها لا سيما بالنسبة إلى قوله ولا تجهروا له بالقول والأظهر في الجواب أن يقال ما دل على استحباب المتكلم بذينك اللفظين لا صراحة له في كون اللافظ بهما مخاطبا بذينك الخطابين على الحقيقة أما في الثاني فظاهر لعدم اشتماله على ما يقتضي ذلك فإن مفاده الاعتراف بعدم كونه مكذبا وذلك لا يوجب كونه مخاطبا وأما في الأول فلجواز أن يكون المقصود منه التلفظ بذلك تنزيلا لنفسه منزلة أحد المخاطبين به بمناسبة المشاركة لهم في الحكم مع بيان كونه متهيئا للقبول مستعدا لامتثال وخص ذلك بالخطاب بيا أيها الذين آمنوا لما فيه من إظهار الايمان دون يا أيها الناس وعلى هذا ينبغي أن ينزل ما قيل من أن قول لبيك في الحج جواب عن ندأ إبراهيم عليه السلام حيث أمره تعالى بأن يؤذن في الناس بالحج ففعل هذا ومنها قوله تعالى لينذركم به ومن بلغ سواء جعل جملة الموصول مرفوعة بالعطف على الفاعل أو منصوبة بالعطف على المفعول وتخصيص الاحتجاج به على الوجه الأول وهم كيف والثاني أقرب لفظا وأوفي دلالة ورد بأن الانذار بالقرآن لا يستلزم تعلق خطاباته بالمنذرين بل يجوز أن يكون لبيانه صلى الله عليه وآله مساواة غير الحاضرين لهم ومشاركتهم إياهم في ذلك بقي الكلام في ثمرة النزاع فاعلم أن بعضهم ذكر أن الثمرة تظهر في مقامين الأول في أن الخطابات الشرعية على تقدير تناولها للمعدومين لا يجب عليهم الفحص عن مداليلها بحسب عرف الموجودين ولا البحث عما فهموه بل وظيفتهم حملها على ظواهرها عندهم لان الحكيم لا يخاطب بما له ظاهر عند المخاطب ويريد خلافه من غير نصب قرينة بالنسبة إليه وأما على تقدير عدم التناول فليس وظيفتهم التعويل على ظواهرها عندهم بل يتعين عليهم أن يجتهدوا في تحصيل ما فهمه الموجودون حال الخطاب بالبحث عن مصطلحهم وعن وجود القرائن الموجبة لصرفها عن ظاهرها عندهم وعدمه لأنهم مشاركون لهم في التكليف وفيما فهموه من تلك الخطابات لا في العمل بظواهر تلك الخطابات عندهم فإن ما دل على أن حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة وأن حكم الله تعالى في الأولين هو حكم الله في الآخرين وأمثال ذلك إنما يقتضي الشركة في التكليف لا في تعويل كل قوم على ما هو الظاهر عندهم من الخطابات الشرعية الثاني أن الخطابات المطلقة على القول بالشمول تحمل على إطلاقها في حق غير الحاضرين عند عدم ثبوت التقييد من خارج فيثبت الحكم في شأنهم من غير فرق بين أن يتحدوا في الصنف مع الحاضرين وعدمه وأما على القول الآخر فإنما يثبت الحكم في حقهم إن اتحدوا في الصنف وذلك كصلاة الجمعة حيث أمر بالسعي إليها من غير تقييد بحضور السلطان العادل أو نائبه الخاص مع تحققه في حق الحاضرين فإن جعلنا الخطاب مختصا بالحاضرين لم يكن في إطلاقه دلالة على نفي الاشتراط بذلك لتحققه في حقهم والواجب المشروط مطلق بالنسبة إلى الواجدين للشرط وإن جعلناه متناولا لغيرهم أيضا دل إطلاقه على عدم اعتبار الشرط المذكور لان منهم من لا يتحقق الشرط المذكور في حقه وإنما خصصنا الكلام هنا بالحاضرين اقتصارا على ما ذكروه وفي المقامين نظر أما في المقام الأول فلان الفرق في حجية ظواهر الألفاظ في حق السامعين بين المخاطبين منهم وغير المخاطبين أمر متضح الفساد منحرف عن منهج السداد للاجماع ظاهرا على حجية ظواهر الألفاظ في حق السامعين لهما مطلقا ولولا ذلك لم يعتبر ظواهر الأقارير والوصايا والعقود والشهادات ونحو ذلك في حق غير المخاطبين بها ولم يجز شهادتهم على شئ من ذلك ومن تتبع الاخبار تبين له أن الرواة كانوا كثيرا ما يعولون على مخاطبات الأئمة عليهم السلام لغيرهم من السائلين ودعوى اقتصارهم في ذلك على صورة حصول العلم بالمراد مجازفة واضحة ثم ما فرع على القول بالتناول من حجية ظواهر الخطابات في حقنا من غير حاجة إلى البحث والاجتهاد أوضح فسادا من سابقه فإنا بعد ما ثبت لدينا من طريان النسخ والتجوز والتخصيص والتقييد على كثير من تلك الخطابات لم يبق لنا وثوق بما نجده من تلك الظواهر قبل الفحص بل يخرج بذلك العلم الاجمالي عن حد الظهور والإفادة إلى حد الاجمال وعدم الدلالة فيجب الفحص والتتبع في معرفة تلك الموارد و التعويل في تعيينها إلى الأدلة المعتبرة وهذا أيضا مما لا فرق فيه بين المخاطبين وغيرهم وأما في الثاني فلان اعتبار