الشيخ محمد حسين الحائري

182

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

توجيه النوع في ضمن شخص دون غيره وهذا متعين في الألفاظ الموضوعة للخطاب إذا استعمل في معانيها الحقيقية كما يظهر مما مر وفي الاخر توجيهه باعتبار موارده وأفراده فهما في الحقيقة اعتباران يطروان على توجيه النوع هذا ويمكن أن يجعل الموضوع في القسمين نفس الجزئيات بأن يكون الواضع قد لاحظ القدر المشترك ووضع كل جزئي من جزئياته بإزاء المعنى ولا يلزم من ذلك أن يكون جميع الأوضاع نوعية لامكان الفرق باتحاد النوع الموضوع وعدمه لكنه بعيد عن الاعتبار وعلى تقديره فالوجه أن يجعل الخطاب في كتب المصنفين بحسب خصوصيات النقوش ومداليلها من خصوصيات الألفاظ المتصورة الملفوظة وتوضيحه أن المخاطب حينئذ يلاحظ نوع الكلام الذي يؤلفه ويتوصل بملاحظته إلى ملاحظة خصوصياته من أفراده المحدثة عن القاصدين حكاية كلامه أو ما قام مقامه ويوجهه إلى من تعلق قصده بمخاطبته وعلى قياسه الكلام في النقوش ولا يخفى أن تسميته ما عدا توجيه شخص اللفظ المعين خطابا مجاز كما عرفت في مفتتح الاحتجاج لكن لا يستلزم التجوز فيما خوطب به ما لم تكن من الألفاظ الموضوعة للخطاب إذا تحقق هذا فنقول خطاباته تعالى في الكتاب لا تخلو إما من قبيل الخطاب بالألفاظ أو بالنقوش أو بالألفاظ والنقوش والفرق بين هذا وسابقه مع استلزامه للخطاب بالألفاظ أيضا على ما مر أن الخطاب بالألفاظ هناك تبع للخطاب بالنقوش وهنا أصلي على أحد تقديريه تبعي على الاخر وعلى التقادير إما أن يكون الخطاب بالنوع أو بالشخص أو بالنوع من أحدهما وبالشخص من الاخر وعلى بعض هذه التقادير إما أن يكون الخطاب إلى معين من الموجودين حال الخطاب أو الحاضرين أو غير معين منهم ومن غيرهم الصور المحتملة لا تزيد على هذه الصور والأظهر أنها من قبيل الخطاب بالألفاظ النوعية إلى الموجودين حال الخطاب والحاضرين لا بالكتابة لعدم نزولها على الظاهر كذلك وإن كان في بعض الآيات دلالة عليه ولا بالألفاظ الشخصية لان الشخص إنما كان يبلغ غير المخاطبين بها غالبا من جبرائيل أو النبي وإنما كان يبلغ المخاطبين حكاياتها فيستدعي توجه الخطاب إليهم على هذا الخروج عن الظاهر بارتكاب التأويل بتنزيلهم منزلة الحاضرين ولا ريب أن حمله على النوع أقرب إليه ومع ذلك فهو أوفق بما هو المقصود من تعميم الاحكام فتعلق خطاباته تعالى بكل من يصلح لان يخاطب بها عند وقوعه عليه من الغائبين والمعدومين كتعلقها بالموجودين والحاضرين ممن لهم أهلية الفتوى وغيرهم وإن توقف بناء غيرهم في تعيين مراده تعالى ولو غالبا على تقليدهم ويحتمل أنه تعالى خاطب الناس خصوصا أو عموما بلسان رسوله بشخص ما خاطبهم به إما أولا أو مطلقا بمعنى أنه إنشاء الخطاب بكلامه بتنزيله منزلة كلام نفسه كما هو قضية كونه خليفة عنه فيكون كلامه بمنزلة الكلام الذي يخلقه تعالى في الهواء ابتدأ كما في مخاطباته تعالى لموسى عليه السلام وفيه تعسف والفرق بين ومما حققنا يتضح أن النزاع المعظم مع الحنابلة إما في جواز تعلق الخطاب بمعناه الحقيقي بالمعدومين أو في قيام الدليل على أن خطابات الشرع مستعملة في غير معانيها الحقيقية وقد أشرنا إلى ذلك في صدر المبحث وإلا فجواز استعمال لفظ الخطاب في غير الموجود أو غير الحاضر في الجملة مما لا مجال لانكاره ثم الحجة المعروفة للمانعين أمران الأول القطع بأنه لا يقال للمعدومين يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا وإنكاره مكابرة الثاني أنه يمتنع خطاب الصبي والمجنون ونحوهما مع وجودهم وإدراكهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم بالمنع أجدر لكونه عن الفهم أبعد وأجاب التفتازاني عن الأول بأنه حق فيما إذا كان الخطاب للمعدومين خاصة وأما إذا كان الموجودين والمعدومين وكان إطلاق لفظ الناس والذين آمنوا عليهم بطريق التغليب فلا قال ومثله شائع في الكلام يعرفه علماء البيان وأنت خبير بأن هذا الجواب مما لا مساس له بالدليل المذكور على ما استظهرناه في محل النزاع من حمل الخطاب على الخطاب الحقيقي أعني الخطاب الشفاهي لظهور أن اللفظ بعد التغليب وتنزيل المعدومين منزلة الموجودين لا يكون للخطاب الحقيقي نعم لو كان المقصود منع استعمال ألفاظ الخطاب في المعدومين مطلقا كما يوهمه إطلاق الدليل المذكور نهض الجواب المذكور على دفعه لكن يرد عليه أن التزامه المنع فيما لو اختص الخطاب بالمعدومين مما لا وجه له على هذا التقدير أيضا فإن جواز استعمال لفظ الخطاب في خصوص المعدومين وما بحكمهم من الجمادات ونحوها في الجملة تنزيلا لها منزلة الموجودين وذوي العقول مما لا يكاد يخفى لاشتهاره في النظم والنثر اللهم إلا أن يدعى المقصود عدم جواز ذلك بالنسبة إليه تعالى لانتفاء الفائدة في حقه وهو لو تم فإنما يتم بالنسبة إلى ما هو محل البحث من الخطاب اللفظي وأما بالنسبة إلى غيره فممنوع فإن الذي يستفاد من بعض الآيات والاخبار أن لجميع المخلوقات حتى الجمادات والنباتات والحيوانات العجم نوع شعور وإدراك تدرك به بارئها وصانعها وتسبحه وتقدسه بحسب ذلك الشعور والادراك قال الله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقال جل شأنه والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه وقال تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم وتدل أيضا على أن الله تعالى يخاطبها وهي تخاطبه بلسان يناسب حالها قال تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الآية وقال تعالى وقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين وقال وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وقال جل جلاله ويوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد من الآيات إلى غير ذلك وأجاب عن الثاني بأن عدم توجه التكليف بناء على الدليل لا ينافي عموم الخطاب وتناوله لفظا ورد بأن هذا إنما يرد إذا كان استدلالهم بعدم توجه التكليف على عدم عموم الخطاب وليس كذلك كيف والمعدوم عند الأشاعرة منهم مكلف لا على وجه التنجيز بأن استدلالهم بعدم توجه الخطاب إليهم على عدم عموم الخطاب له قال بعض الناظرين في كلامه بعد نقل الرد المذكور وهذا وإن رفع