الشيخ محمد حسين الحائري

178

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

إلا أن وقوعه غير ثابت هذا وحكى المحقق الشيرازي عن العلامة عن الفتوحات المكية أن مؤلفها قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الوقائع فسألته عن أقل مراتب الجمع وقلت ذهب فريق إلى أنه ثلاثة وفريق إلى أنه اثنان فما الحق فقال صلى الله عليه وآله أخطأ هؤلاء وهؤلاء بل ينبغي أن يفصل ويقال الجمع إما جمع فرد أو جمع زوج فأقل مراتب الأول ثلاثة وأقل مراتب الثاني اثنان ومثل له بعضهم بالخفين فإنه يطلق على زوجين من جنس الخف وجمعه خفاف ولا يطلق على ثلاثة أفراد من هذا الجنس وهو محل نظر إذا تمهد هذا فلنا على عدم كونه حقيقة فيما دون الثلاثة عدم تبادره وتبادر غيره وقد سبق أن ذلك يقتضي أن لا يكون حقيقة فيه وإذا ثبت ذلك عرفا ثبت شرعا ولغة لأصالة عدم النقل وعلى جواز إطلاقه على الواحد والاثنين مجازا وجود العلاقة المصححة له كالتعظيم تنزيلا لغير الجماعة منزلتها أو لنحو ذلك وقد قيل في قوله تعالى وإنا له لحافظون إن المراد به هو الله تعالى وحده تعظيما حيث جرت عادة العظماء أن يتكلموا عنهم وعن أتباعهم بصيغة التكلم والجمع ثم استعيرت منه للعظمة وجردت عن معنى الجمعية ويمكن أن يكون المراد به هو تعالى مع الملائكة الحفظة بأمره وقد فسر الناس بعض الناس في قوله تعالى الذين قال لهم الناس بنعيم بن مسعود مدعيا وفاق المفسرين عليه وهو اسم جمع وفسر الموصول في قوله تعالى والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون بأمير المؤمنين علي عليه السلام كما نطق به جملة من الاخبار وغير ذلك احتج القائلون بأنه حقيقة في الاثنين بوجوه منها قوله تعالى فإن كان له إخوة والمراد ما يتناول الأخوين للاجماع على حجبهما ومنها قوله تعالى إنا معكم مستمعون والمراد بضمير الخطاب موسى وهارون ومنها قوله صلى الله عليه وآله الاثنان فما فوقها جماعة والجواب أما عن الأول فبأن الاجماع إنما قام على حجب الأخوين لا على كونه مستفادا من الآية سلمنا لكنه مجرد استعمال وهو لا يوجب الحقيقة لثبوت استعماله فيما فوق الاثنين أيضا والاشتراك على خلاف الأصل كما حققناه وسابقا ولو سلم أنه على الأصل فقد بينا ما يوجب الخروج عنه وأما عن الثاني فبالمنع من إرادتهما فقط بل مع فرعون مضافا إلى ما سبق في الآية السابقة وأما عن الثالث فبأن المراد أن صلاة الاثنين فما فوقها صلاة جماعة فيقدر طرفا الاسناد أو أنها بحكم الجماعة في انعقاد الجماعة والفضيلة كما ورد المؤمن وحده جماعة إذا لم يكن من يصلي معه وذلك لان شأن الشارع بيان الأحكام الشرعية لا بيان موضوعات اللغة وقد يجاب أيضا بأنه خارج عن محل النزاع لان الكلام في صيغة الجمع لا في لفظه وكأنه ناظر إلى إجماع المنتهى أو يريد به معناه المصدري والحق أن لفظ الجمع والجماعة بمعناهما الاسمي حقيقة أيضا فيما فوق الاثنين كالصيغة بدليل تبادرهما منهما وعدم تبادر ما دونهما على ما يظهر من العرف احتج القائلون بالمنع مطلقا بما نقل عن ابن عباس من أن الأخوين ليسا بإخوة وأنه لو صح الاستعمال في الاثنين لجاز جاءني رجلان عالمون ورجال عالمان إذا أريد عالمان ورجلان وأجيب عن الأول بأنه معارض بقول زيد الاخوان إخوة فالوجه أن يجمع بينهما بحمل كلام النافي على نفي كونه حقيقة وحمل كلام المثبت على كونهما مرادين منه مجازا وعن الثاني بمنع الملازمة لأنهم ربما راعوا في ذلك صورة اللفظ واستبعده العضدي بما حاصله أنه لو كان الوجه مراعاة الصورة لجاز جاءني زيد وعمرو العالمون نظرا إلى انتفاء الصورة ورده التفتازاني وغيره بأن مقصود المجيب مراعاة الصورة أعم من أن يكون حقيقة كما في التثنية أو حكمية كما في العطف والأظهر على ما اخترناه من إثبات الجواز في الجملة أن يجاب بأن ثبوت المنع في صورة مخصوصة لا يوجب ثبوته مطلقا كيف وقد بينا وقوعه في بعض الموارد الموجب لجوازه فيها والسر في ذلك أن جوازه يتبع العلاقة وهي غير مطردة في جميع الموارد تنبيه قد اشتهر بين النحاة أن أقل جمع القلة ثلاثة إلى العشرة وأقل جمع الكثرة ما فوق العشرة إلى ما لا حصر له وربما يحكى وفاقهم عليه وهو ضعيف إذ صريح العرف قاض بعدم الفرق وربما يظهر من عدم تعرض علماء الأصول لذلك إطباقهم على فساده ويمكن الجمع بأن كلام النحاة ناظر إلى أصل اللغة والجمع فيها على التفصيل المذكور وكلام الأصوليين ناظر إلى العرف وهم لا يفرقون بينهما لكن التزام مخالفة العرف للغة في مثل ذلك لا يخلو عن بعد ثم اعلم أن أهل الميزان كثيرا ما يطلقون الجمع ويريدون به ما فوق الواحد وهل هو منقول في عرفهم إلى ذلك أو مجاز مشهور وجهان أظهرهما الأول وهو المعروف بين أهل العلم فصل لا ريب في أن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم بمعنى أن النفي أو الحكم المنفي يتعلق بكل فرد فرد من آحاد مفهومها فتارة بالنصوصية وذلك إذا كان النفي بلا التي لنفي الجنس كما في قولك لا رجل في الدار أو كانت مقرونة بمن ظاهرة نحو وما من دابة أو مقدرة نحو ولا رطب ولا يابس وكذلك شئ وبد واحد ونظائرها إذا وقعت في سياق النفي مطلقا كقولك ما شئ عندي وليس أحد في الدار وليس بد من هذا الامر وتارة بالظهور كما إذا وقعت النكرة مما عدا المذكورات اسما ليس أو ماء يشابهها من ما ولا النافيين كقولك ليس رجل أو لا رجل أو ما رجل في الدار وإنما جعلنا عمومها من باب الظهور دون النصوصية لأنها كما تأتي لعموم النفي كما هو الظاهر الغالب كذلك قد تأتي لنفي فرد واحد دون ما زاد عليه فيقال ما في الدار رجل بل رجلان أو رجال بخلاف القسم الأول فإنه لا يصح أن يقال لا رجل أو ما من رجل في الدار بل رجلان أوليس فيهما أحد بل اثنان وهكذا وما يتوهم من أن جواز الاستثناء منها ينافي نصوصيتها في العموم فمع عدم جريانه على الوجه الذي نختاره في الاستثناء مدفوع بأن المراد بكونه نصا في العموم تمحضه له بحسب الوضع وإن جاز أن يستعمل في غيره مجازا عنه بخلاف المنفي في القسم الثاني فإنه بحسب الوضع لا يتمحض للعموم هذا تحقيق ما ذكروه ونحن نقول لا ريب في أن النكرة في سياق النفي إنما تقتضي العموم على حسب إطلاقها وتقييدها فالعموم في النكرة