الشيخ محمد حسين الحائري

172

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

فالكلام حينئذ إنما هو في دلالته على العموم مطلقا بحيث لو استعمل في غيره لكان مجازا على حد سائر صيغ العموم التي هذا شأنها ومن البين أن هذه الحجة يعني وقوع الاستثناء منه في الآية لا ينهض بإثبات ذلك بل إنما يثبت المعنى الذي لا نزاع فيه هذا كلامه ونحن نقول قد عرفت بما حققنا سابقا أن مفاد اللام في المفرد وغيره ليس إلا الإشارة إلى مدلول مدخولها مأخوذا بتعين لاحق له فمفادها في المفرد الإشارة إلى الحقيقة التي يدل عليها لفظه بتعينها الجنسي أو الشخصي ومفادها في الجمع الإشارة إلى الافراد المتعينة ولو بعهد وشبهه فمن زعم أن اللام مستعملة في شئ من موارده في الاستغراق فقد أخطأ نعم هي تفيد الاستغراق في الجمع لا بمعنى أنها تستعمل فيه في الاستغراق بل بمعنى أنها تمحضه لاستغراق جميع الآحاد عند عدم ما يقتضي تعيين ما دونه لما سبق ذكره وأما في المفرد فهي ظاهرة في الإشارة إلى الحقيقة من حيث تعينها الجنسي حيث لا يكون تعين عهدي نعم قد يؤخذ الحقيقة المشار إليها بالاعتبار الأول باعتبار تحققها في جميع الافراد لا بدلالة اللام أو المعرف بها عليه إذ ليس مدلولهما كما عرفت إلا الإشارة والحقيقة بل بدلالة أمر آخر عليه كقرينة الاستثناء في الآية ونحوها فيفيد العموم بمعونته بل كما يؤخذ الحقيقة المشار إليها باللام المدلول عليها بلفظ معرف باعتبار تحققها في جميع الافراد ويدل عليه بأمر خارج كذلك يؤخذ الحقيقة المجردة عن الإشارة المدلول عليها بلفظ منكر بالاعتبار المذكور ويدل عليه بأمر خارج كما في قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت وقولهم تمرة خير من جرادة فلا فرق في استفادة الاستغراق من المفردين بين معرفة ومنكرة فكما أن المفيد له في الثاني غير لفظه فكذلك في الأول وبهذا يسقط ما ذكره التفتازاني من أن النكرة قد تستعمل في العموم مجازا وساق المثالين وغيرهما وذلك لأنا لا نسلم أنها مستعملة في تلك الموارد ونظائرهما في غير معناها الأصلي إذ القرينة التي تدل على اعتبار العموم فيها لا تدل على كونه مقصودا من لفظها والتجوز إنما يلزم على تقديره كما مر هذا ويجوز أن يجعل اللام في المفرد أيضا للإشارة إلى الحقيقة المتعينة من حيث تحققها في ضمن جميع أفرادها كما مر الإشارة إليه ولعله خلاف الظاهر منه حيث يراد به الاستغراق من حيث إن تعين الجنس من حيث وجوده في ضمن جميع أفراده تعين ضعيف لشوبه بضرب من الابهام فلا ينصرف ظاهر الإشارة إليه فظهر مما حققناه بطلان كل من الاستدلال والجواب والايراد بقي الكلام فيما جعله المورد موردا للنزاع وبطلانه مما لا يكاد يخفى إذ كون المفرد المعرف حقيقة في الجنس والعهد مما لا يرتاب فيه أحد وكلماتهم مصرحة به فكيف يتصور وقوع النزاع في اختصاصه بالاستغراق بل الذي يناسب أن يجعل محلا للنزاع بحيث يوافق كلمات القوم ولا ينافي ما حققناه هو أن المفرد المعرف إذا استعمل مجردا عما يعينه للعهد مع عدم صلوح الحكم للتعلق بالجنس من حيث هو فهل الظاهر تعلق القصد بمدلوله باعتبار تحققه في جميع الافراد أو لا فمن قال بالأول قال بأنه يفيد الاستغراق ومن قال بالثاني نفي ذلك فالمراد بالإفادة الإفادة ولو بواسطة الاطلاق توسعا احتج الآخرون أيضا بوجهين الأول عدم تبادر العموم منه عند الاطلاق الثاني أنه لو عم لجاز الاستثناء منه مطردا وهو منتف قطعا وهاتان الحجتان كما ترى إنما تثبتان بظاهرهما كون المفرد المعرف مجازا في العموم إذا استعمل فيه أو كونه غير لازم لمعناه عند الاطلاق وهما مما لا ريب فيه لكن قد تمسك بهما من قال بالاشتراك بين الاستغراق وبين غيره وحمل كلام الآخرين ممن وافقه على نفي العموم عليه وهو غير واضح نعم يمكن تأويل الدليل الأول بأن المراد عدم تبادر العموم منه على التعيين فلا يكون حقيقة فيه على التعيين لكن يشكل تنزيل الدليل الثاني لأن عدم الاطراد لو صلح دليلا فإنما يصلح دليلا على المجازية لا على الاشتراك إلا أن يراد عدم اطراده بالنسبة إلى كل ما يصلح له المفرد المعرف حقيقة وفيه تعسف تنبيه قد عرفت أن مدلول المفرد المعرف هو الحقيقة الملحوظة باعتبار تعين لاحق لها فمدلوله في غير العهد هي الحقيقة الملحوظة باعتبار تعينها الجنسي وحينئذ فإذا تعلق بها ما يصلح لان يكون لاحقا لها من حيث هي فلا إشكال وهذا الاستعمال مطرد في موارد الحدود التي هي من قبيل التصورات وفي غيرها شاذ ولهذا تسمع المنطقيين يقولون لا عبرة بالقضايا الطبيعية في العلوم وإلا كان تعلق الحكم بها قرينة على اعتبارها من حيث الفرد وهذا مطرد في الأحكام الشرعية فإن تعلقها بالطبائع من حيث هي غير معقول فإن الحقيقة من حيث هي مجردة عن اعتبار الوجود والعدم مما لا يصح تعلق الإرادة أو الكراهة بها وتعلقها بها باعتبار الوجود تعلق بها باعتبار الفرد لان الحقيقة بهذا الاعتبار لا تكون إلا جزئية ولا نعني بالفرد إلا ذلك ولا يتوهم أن هذا ينافي القول بأن الأوامر تتعلق بالطبائع دون الافراد لان المراد هناك ما يتعلق به صيغة الامر ولا ريب أن ما يفيده الصيغة إنما هو طلب الايجاد وهو إنما يتعلق بالطبيعة من حيث هي لأنها مدلول المادة التي وردت عليها الهيئة عندهم دون الفرد وإن كانت الطبيعة بالقياس إلى الطلب جزئية لأنه إنما يتعلق بها باعتبار وجودها الخارجي وهي بهذا الاعتبار شخصية لا محالة وقد مر التنبيه على هذا مرارا وإذا حققت ذلك في الأحكام التكليفية فقس عليه الحال في الأحكام الوضعية فإن شرطية الحقيقة من حيث هي أو سببيتها أو مانعيتها أو صحتها أو بطلانها غير معقولة بل كل ذلك إنما يلحق الماهية باعتبار تحققها في الخارج ومما حققنا يظهر فساد ما زعمه بعض المعاصرين حيث قال والقول بأن الطبائع إنما تصير متعلقة للأحكام باعتبار وجودها كلام ظاهري بل الطبائع بنفسها تصير متعلقة للأحكام ومتصفة بالحسن والقبح قال وغاية ما يمكن أن يقال إنه لا وجود لها إلا بالافراد وفيه أنا نقول بتعلقها بها لا بشرط شئ لا بشرط أن لا يكون معها شئ حتى لا يمكن التكليف بها ثم قال ولا فرق بين تعلق الامر به أو تعلق الحل والجواز والحرمة ونحوها هذا كلامه ونحن نقول من الأمور الواضحة الجلية التي لا يكاد