الشيخ محمد حسين الحائري
160
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
النفي فإنها تفيد الاستغراق ولم توضع للدلالة عليه على ما هو التحقيق إذ كما أن لفظ العشرة موضوع للمجموع المستلزم لاستغراق الآحاد لا لاستغراقها كذلك حرف النفي موضوع للنفي واسم الجنس مثلا موضوع للجنس والاستغراق إنما يستفاد من ورود النفي على الجنس نظرا إلى أن الجنس لا يرتفع مع وجود الفرد ولهذا نجد دلالتها حينئذ على العموم ثابتة في سائر اللغات بل الوجه أن يراد بالوضع في تعريفنا المختار ما يعم الوضع للعموم نفسه ككل رجل ونظائره أو لمعنى يستلزمه كالنكرة المنفية على ما نراه من أن وضع أداة النفي للنفي والنكرة للفرد المنتشر مثلا في معنى وضع المجموع لنفي الفرد المنتشر الذي هو سلب كلي ومثله الكلام في الجمع المعرف والمضاف والموصولات بناء على ما حققناه فإن وضع اللام للإشارة وتضمن الموصولات لها ووضع الإضافة لإفادة التعيين يستلزم إرادة جميع الافراد حيث لا يتعين البعض واعلم أن الحد الذي ذكرناه ينطبق على العام الافرادي والعام المجموعي لان كليهما يستغرقان جزئيات المفهوم الذي اشتملا عليه وإن كان الاستغراق في أحدهما من حيث الافراد في الاخر من حيث المجموع وعلى قياسه الكلام في باقي الحدود وكذلك ينطبق على العام الشمولي كالجمع المعرف والموصولات والعام البدلي كمن وأي في الاستفهام وقد يستشكل بأن تطبيق الحد على ذلك يوجب دخول النكرة فيه أيضا لأنها أيضا تستغرق أفراد مفهومها على البدلية ودفعه واضح لان النكرة لا تستغرق أفراد مفهومها وضعا بل بقرينة الحكمة بخلاف أدوات الاستفهام فإنها تستغرق أفراد مفهومها أو مدخولها وضعا بيان ذلك أن النكرة موضوعة للطبيعة المقيدة بأحد التشخصات الفردية لا بشرط أي من غير تعيين لتقييدها بأحدها بالخصوص فهي بحسب وضعها صالحة لان تؤخذ مرددة بين الجميع بأن لا يعتبر معها تعيين البعض أصلا ولخلافه بأن يعتبر معها تعيين البعض بحسب الواقع وإن امتنع اعتباره في إطلاقها فليس لها في نفسها دلالة على العموم والمشمول بخلاف من وأي فإن مدلولها طلب تعيين الفرد الموصوف بالوصف المذكور من بين جميع أفراد مفهومهما فيكون مدلولهما مستغرقا لجميع الافراد على سبيل الترديد في تعيين الفرد المقيد منها بالوصف ولهذا يصح الاستثناء منهما من غير تكلف على ما قيل تقول من جاءني أو أيكم جاءني إلا زيدا فتخرج زيدا عن الافراد التي تردد بينها في السؤال ويمكن أن يعتبر عمومهما بالنسبة إلى أفرادهما المقيدة بالوصف المذكور حيث يتعدد الافراد ولهذا يتعين الجواب بالجميع وبهذا يظهر وجه فرق آخر بينهما وبين النكرة واعلم أنه قد يطلق العام على اللفظ المستغرق لجميع أفراد مفهومه ولو بقرينة حكمة كما يقال إن ماء في قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا للعموم الشمولي لوروده في مقام الامتنان ورجل في قولك جئني برجل للعموم البدلي دفعا للترجيح من غير مرجح ثم اعلم أن عموم العام قد يكون حقيقيا نحو أن الله بكل شئ عليم وقد يكون عرفيا نحو جمع الأمير الصاغة فإن المراد جميع صاغة بلده لا صاغة الدنيا كذا قرره جماعة والتحقيق أن العموم في الثاني أيضا حقيقي لشموله جميع صاغة بلده كما لو قيل جمع صاغة بلده أو الصاغة الموجودين في بلده غاية الأمر أن قرينة الحال تغني عن ذكر القيد والتصريح به كما لو قيل أكرم العلماء فإنه لا يراد به جميع أفراد العالم من الموجودين حال الخطاب وقبله وبعده بل ولا جميع الموجودين حال الخطاب بل خصوص الذين يتمكن المخاطب من إكرامهم فإن قلت تقييد الامر بالتمكن يغني عن تقييد متعلقه به فيجوز حينئذ تنزيله على عمومه كما هو قضية الأصل قلت تعلق الامر اللفظي بما لا يتحقق الشرط بالنسبة إليه مع علم الامر والمأمور به كما في المثال المذكور ونظائره بعيد جدا بل مجمع على فساده إلا ممن شذ كما مر في محله فيتعين تقييد المتعلق بالافراد التي يتمكن المأمور من إكرامهم مضافا إلى مساعدة العرف في متفاهم الاستعمال عليه ولا يقدح ذلك في عموم اللفظ لان العبرة في عموم المقيد بتناوله لجميع أفراد مفهومه المقيد كما أن العبرة في عموم المطلق بتناوله لجميع أفراد مفهومه المطلق نعم لو فرق بين العامين بأن الأول مطلق أو مقيد بمذكور والثاني مقيد بما يفهم عرفا من قرينة الحال ويجعل التسمية دائرة مدار ذلك فلا مشاحة إلا أن عبائرهم قاصرة عن إفادة ذلك والأولى أن يفسر العام الحقيقي بما يتناول جميع أفراده كالمثال المتقدم والثاني بما يتناول أكثر أفراده بحيث لا يعتد بالخارج عرفا لندرته كما في نحو جمع الأمير صاغة بلده فإنه يصدق هذا القول على إطلاقه عرفا عند جمعه للأكثر وإن ترك النادر ومبناه عند التحقيق على التسامح في الاطلاق كما تراهم يتسامحون في إطلاق موضوعات المساحات والأوزان الخاصة على ما نقص منها أو زاد بيسير من غير تقييد وهذه المسامحة غير معتبرة في الخطابات الشرعية بل المراد فيها في المواضع الثلاثة ونظائرها على التحقيق لا لان الظواهر العرفية غير معتبرة فيها كيف وهو الأصل المحكم حيث لا دليل على خلافه بل لان تسامحهم في مثل ذلك مقصور على موارد التسامح وليست الخطابات الشرعية عندهم من جملتها ولهذا تراهم يعزلون تلك الألفاظ على حقائقها إذا وردت في تلك الخطابات ونظائرها كالوصايا والأقارير وعلى هذا فالعام العرفي خارج عن العام الأصولي لعدم صدق حده عليه واعلم أيضا أن العام كما ينقسم باعتبار الدلالة إلى المجموعي والافرادي كذلك ينقسم باعتبار تعلق الحكم به إلى القسمين أيضا فالعام المجموعي باعتبار الدلالة قد يكون أفراديا باعتبار الحكم كقولك كل الناس يعرفون هذا الشئ فإن لفظ كل مشترك بين المعنيين فإذا أضيف إلى معرف باللام تعين كونه مجموعيا ومعناه حينئذ مجموع ما أضيف إليه كما أنه إذا أضيف إلى منكر كان الظاهر منه كونه أفراديا ومعناه حينئذ كل واحد مما يصدق عليه مدخوله على البدلية فيفيد تعلق الحكم بجميع مصاديقه البدلية على وجه الشمول وقد يأتي حينئذ بمعنى المجموع نحو جئني بكل شاة أي بتمام أحد أفرادها وهو خارج عن العام عندنا فصل اختلفوا في أنه هل للعموم صيغة تخصه أو لا فذهب