الشيخ محمد حسين الحائري
152
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
لا إشعار فيه في نفسه بانتفاء الحكم من غير محله نعم كثيرا ما يفيد ذلك لمعاضد خارجي من قرينة مقال أو شهادة حال فيتجه التعويل عليه حينئذ كما لو وقع التقييد به في جواب من سأل عن مطلق الموصوف كما لو قال السائل هل في الغنم زكاة فأجاب بأن في السائمة منها زكاة واقتصر عليه فإنه يدل على نفيه عن غيرها ونحو ذلك وحيث إن مثل ذلك خارج عن محل البحث فالمختار إذن ما ذهب إليه النافون لنا أنه لو اقتضاه لكان بإحدى الثلاث لظهور أنه لا يقتضيه معنى باتفاق المثبتين بدليل أنهم يجعلونه من المفهوم الذي هو من أقسام الدلالة اللفظية وهي منفية أما بالنسبة إلى المطابقة والتضمن فظاهر مع أنه لو كان كذلك لكانت الدلالة بالمنطوق على ما مر لا بالمفهوم وهو متفق على فساده وأما بالنسبة إلى الالتزام فلعدم ظهور اللزوم بينهما لا عقلا ولا عرفا ولنا أيضا القطع بأن قول القائل اشتر لي عبدا حبشيا لا يدل على عدم أمره بشراء عبد رومي أيضا وقوله جئني برمانة حامضة لا يدل على عدم أمره بإتيان رمانة حلوة أيضا وقوله اشتر لي معزا أبيض لا يدل على عدم أمره بشراء معز أسود أيضا إلى غير ذلك مما لا حصر له احتج الخصم بأنه لو ثبت الحكم مع الوصف وبدونه لعري التقييد به عن الفائدة ولكان بمنزلة قولك الانسان الأبيض لا يعلم الغيب والأسود إذا نام لا يبصر وبأن أبا عبيد أو أبا عبيدة قال في قوله صلى الله عليه وآله لي الواجد يحل عقوبته وعرضه أنه يدل على أن لي غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه وقال في قوله صلى الله عليه وآله مطل الغني ظلم أنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم ورد من حمل الشعر في قوله لئن يمتلئ بطن الرجل قيحا خير من أن يمتلئ شعرا على مطلق الهجاء أو هجأ الرسول بأنه لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلا معنى إذ قليله وكثيره سواء فأثبت المفهوم لما هو في تقدير الصفة حيث إن الامتلا من الشعر في قوة الشعر الكثير فكيف إذا صرح به وهو من أهل اللسان بل من أئمة اللغة فيجب التعويل على قوله مع أن قوله معتضد بموافقة جماعة من العارفين باللغة له والمسألة لغوية يكتفي فيها بنقل الواحد فكيف إذا تعددوا والجواب أما عن الأول فبمنع الملازمة في المقامين أما في الأول فلان الفائدة لا تنحصر فيما ذكر لا وضعا ولا ظهورا بل كما يؤتى بالوصف لذلك كذلك يؤتى به للاهتمام ببيان حكم محل الوصف كما في قوله تعالى وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أو لاحتياج السامع إليه أو لدفع توهم عدم تناول الحكم له أو لعلم المخاطب بحكم غير محل الوصف إما لوضوحه أو لسبق بيان أو لعدم المصلحة في بيان حكم غير محل الوصف أو للكشف عما أريد بالموصوف والتوضيح له حتى إنه حكي عن الأخفش أن وضع الصفة للتوضيح فقط وهذا بظاهره وإن لم يكن مرضيا عندنا إذ لا نلتزم باختصاصه بالتوضيح لعدم مساعدة العرف عليه مع ما في احتمال النقل من البعد الموجب لعدم الاعتماد على مقالة مدعيه سيما في موضع الخلاف إلا أنه يشتمل على ما هو المقصود من عدم اختصاصه بما يراه الخصم وأما في الثاني فلان منشأ استهجان الوصفين في المثالين عراؤهما فيهما عن الفائدة حتى إنه لو قدر لهما فائدة بحيث يعتد بها الطبع منعناه وأما ما أجاب به بعض المعاصرين من أن الاستهجان هناك إنما هو لوضوح أصل الحكم فليس على ما ينبغي لان الحكم المذكور كثيرا ما يؤتى به مجردا عن الوصف في مواضع يليق بها من غير استهجان وأما عن الثاني فبأن فهمه ذلك في الأمثلة المذكورة لا يوجب أن يكون مستندا إلى ظهوره مطلق التقييد بالوصف فيه بل يجوز أن يكون مستندا إلى ظهوره في خصوص تلك الموارد فإنا لا نتحاشى عن إفادته ذلك في بعض الموارد إذا كان أظهر فوائده وأجلاها سلمنا لكن المسألة اجتهادية وليس وظيفتنا التعويل فيها على اجتهاد الغير مع تمكننا من الاجتهاد بمراجعة العرف إذ دعوى حصول النقل فيه مع ما فيها من البعد مما لم يصدر عن أحد على أن النقل المذكور مخالف لما نقل عن الأخفش من اختصاصه بالتوضيح فيتعارضان ويتساقطان وما زعمه بعض المعاصرين من أن ما نقل عن الأخفش يعارض ما نقل عن أبي عبيدة ولما نجده في أفهامنا من ظهوره في التقييد والاحتراز فيتساقطان ويثبت المقصود من عدم الدلالة فليس بشئ إذ يكفي في سقوط قول الأخفش معارضته لقول أبي عبيدة لأنه أيضا من أئمة اللغة فيبقى ما نجده من الظهور على تقدير ثبوته سالما من المعارض ثم لو سلم أن النقل المذكور عن الأخفش غير ثابت كما ادعاه بعضهم فقول غيره من المعتنين باللغة والعرف بعدم الدلالة ثابت فيصلح للمعارضة ورجحان قول المثبت على النافي في مثل المقام يدور مدار الظن وليس على الاطلاق ولا ريب أن مساعدة العرف على النفي يؤيده ويقويه بما لا يصلح ذلك لمعارضته واعلم أنه قد اشتهر بينهم أن تعليق الحكم على الوصف يشعر بعلية المبدأ فلو رام الخصم أن يتمسك به على دعواه بعد توجيهه بما ذكرناه في مفهوم الشرط كأن يقول إذا ثبت أن التعليق عليه ظاهر في علية المبدأ وهي ظاهرة في العلة التعيينية كان اللازم منه عدم الحكم عند عدم الوصف لامتناع المعلول بدون العلة لدفعناه أولا بأن إشعار التعليق بالعلية غير مطرد بل في بعض الموارد فإن قولك اشتريت عبدا أسود واشتر لي عبدا أسود مما لا دلالة له على أن علة وقوع الشراء أو الامر به سواده إلى غير ذلك وثانيا بأن الظواهر العرفية الثابتة في بعض الموارد ليست بحيث يلزم اطرادها في جميع الموارد والمقامات بل قد تتخلف فالعلية المستفادة من التقييد بالوصف على تقدير إشعاره بها لا ظهور لها في العلية التعيينية بل العلية في الجملة تذنيب لو قلنا بمفهوم الوصف فهل نجعله على خلاف المنطوق في الكلية والجزئية أو لا وجهان ذهب بعضهم إلى الأول حيث قال قولنا كل غنم سائمة فيها الزكاة مفهومه ليس كل غنم معلوفة كذلك وهو في قوة السلب الجزئي وقولنا بعض السائمة فيها الزكاة مفهومه لا شئ من المعلوفة كذلك وذهب بعضهم إلى الثاني حيث قال مفهوم قولنا كل حيوان مأكول اللحم يتوضأ من سؤره ويشرب منه أنه لا شئ مما لا يؤكل لحمه كذلك وكان