الشيخ محمد حسين الحائري

144

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

على ما اعترف به إنما هو فهم الفقهاء منه الفساد وقد عرفت أن ذلك لا يساعد على مطلوبه ومنه يظهر ضعف ما نقل في المقام من الاجماع الثالث ظاهر جملة من الاخبار منها ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال ذلك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما فقلت أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهم يقولون أصل النكاح فاسد فلا يحل إجازة السيد له فقال أبو جعفر عليه السلام إنه لم يعص الله إنما عصى سيده فإذا أجازه فهو جائز وفي روايته الأخرى بعد أن ذكر حكمه بصحة نكاح العبد مع لحوق الإجازة قال فقلت لأبي جعفر عليه السلام فإنه في أصل النكاح كان عاصيا فقال أبو جعفر عليه السلام إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص لله وإنما عصى سيده ولم يعص الله إن ذلك ليس كإتيانه ما حرم الله تعالى عليه من نكاح في عدة وشبهه ووجه الدلالة أن الروايتين دلتا على أن نكاح العبد الغير المأذون إنما لم يفسد مع لحوق الإجازة لأنه لم يعص الله فيه وإنما عصى سيده فيدل على أن عصيان الله في النكاح الذي من أقسام المعاملة يوجب الفساد فإن قيل كيف أثبت على العبد عصيان السيد عند عدم الإذن مع أن عدم الإذن أعم من المنع وهو الموجب للعصيان وأيضا عصيان السيد يستلزم عصيانه تعالى حيث أوجب على العبد طاعته فكيف أثبت أحدهما ونفي الاخر قلنا أما الأول فمدفوع بأنه يمكن تقييد العصيان بصورة المنع من النكاح فالمعنى إنما عصى سيده على تقدير منعه منه ويمكن تركه على إطلاقه بتنزيل العادة منزلة المنع من حيث إن سيرة الموالي جارية على عدم الرضا بإقدام العبد على مثل هذا الامر بدون الاذن وأما الثاني فقد أجيب عنه تارة بتنزيل عصيانه تعالى على معنى أنه لم يعص الله واقعا حيث لم يعص السيد واقعا مع لحوق إجازته وتنزيل عصيان السيد على عصيانه في الظاهر قبل وقوع الإجازة وأخرى بأن المراد بالمعصية المنفية المعصية الخاصة وهي المعصية الموجبة للفساد فلا ينافي الظاهر قبل وقوع الإجازة وأخرى بأن المراد بالمعصية المنفية المعصية الخاصة وهي المعصية الموجبة للفساد فلا ينافي استلزام معصية السيد لمعصيته تعالى واختار الفاضل المذكور هذا الوجه واستشهد عليه بقوله عليه السلام في الرواية الثانية أن ذلك ليس كإتيانه ما حرم الله تعالى عليه من نكاح في عدة وشبهه ومنها معتبر منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام في مملوك تزوج بغير إذن سيده أعاص لله وقال عاص لمولاه قلت حرام هو قال ما أزعم أنه حرام قل له أن لا يفعل إلا بإذن مولاه ومنها ما ورد في من طلق ثلاثا في مجلس أنه ليس بشئ من خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله وبمضمونه أخبار معتبرة في بعضها من خالف كتاب الله والسنة رد إلى كتاب الله والسنة وفي بعضها كل شئ خالف كتاب الله فهو رد إلى كتاب الله ووجه الدلالة أنها تضمنت قاعدة كلية وهي وجوب رد كل شئ خالف الكتاب أو السنة إليه أي رده باطلا إلى ما يقتضيه الكتاب والسنة من البطلان والمعاملة المحرمة مخالفة لأحدهما فيجب ردها باطلا إليه ولولا أن النهي موجب للفساد لما كان الرد موجبا له والجواب أما عن الروايتين الأوليين فبأن الظاهر من العصيان فيهما بقرينة المقام الاتيان بما لم يمض أو لم يرض بصحته فالمعنى أن العبد لم يأت بنكاح لم يمضه الله أو لم يرض بصحته على تقدير الإجازة وإنما أتى بنكاح لم يمضه السيد أو لم يرض بصحته على تقدير عدم الإجازة ووجه إطلاق العصيان على ذلك وقوع التعبير عنه غالبا بالنهي ومما يدل على ما قررناه حكمه بعصيان العبد لسيده المحمول على صورة المنع مع أن الظاهر اختصاص المنع بالنكاح الصحيح دون الفاسد وهو غير حاصل حال المنع ويؤكده قوله عليه السلام فإذا أجازه فهو له جائز فإن المراد إذا رضي بصحته فهو له صحيح على أن الرواية الثانية ضعيفة والأولى صالحة للتنزيل على إلزام المخالفين فإن الحكم بن عتيبة على ما صرح به في الرجال عامي والظاهر أن إبراهيم النخعي مثله وفي الرواية أيضا إشعار بذلك وكيف كان فلا دلالة للروايتين على أن النهي عن المعاملة يوجب الفساد ومع التنزل فحملهما على التفصيل الذي ذكره ليس بأولى من حملهما على تفصيلنا المختار وعلى التقديرين لا إشعار فيهما بالنقل وأما عن الرواية الثالثة فبأنها مما لا إشعار لها بالمقصود ولعل ذكرها في الأدلة وقع سهوا من القلم وأما عن الروايات الأخيرة فبأن الظاهر من المخالفة فيها المخالفة في الحكم الوضعي وإن كان مستفادا من ظاهر الأمر والنهي عرفا كما قررنا بقرينة ما ذكر فيها من الأسباب كالطلاق بدون الاشهاد وتطليق المطلقة ولو سلم أن المراد بها مطلق المخالفة فليس في رد ما خالف الحكم التكليفي إليهما ما يوجب الفساد إذ لم يثبت بعد دلالتها عليه فتكون ثمرة الرد عند المخالفة في الحكم التكليفي إجراء حكم المعصية عليه من الفسق والتعزير والالزام بالتوبة ودعوى أن المعنى رده باطلا إليها على الاطلاق في محل المنع مع أن المستدل لا يقول به وحمله على التفصيل الذي ذكره بعيد إذ لا شاهد عليه واحتج من قال بدلالته على الصحة بأن المنهي عنه لو لم يكن صحيحا لم يكن شرعيا والتالي باطل لأنا نعلم أن المنهي عنه في صوم يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة هو الصوم والصلاة الشرعيان لا الامساك والدعاء وأيضا لو لم يصح لكان ممتنعا فلا يكون في النهي عنه فائدة والجواب أما أولا فبالنقض بمثل قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم وقوله صلى الله عليه وآله دعي الصلاة أيام أقرائك فإن المنهي عنه فيهما لا يقع صحيحا إجماعا وأما ثانيا فبالحل بارتكاب التأويل أما في النهي بتجريده عن معنى الطلب وحمله على نفي الحقيقة فيكون معنى لا تنكحوا لا نكاح ومعنى دعي الصلاة لا صلاة لك في تلك الأيام وهكذا وأما في المنهي عنه بحمل النكاح والصلاة على إيقاع صورتهما بقصد المشروعية لأنه أقرب إلى الحقيقة من الحمل على مطلق الصورة وذلك لأن الظاهر يترك عند مخالفته للعقل أو معارضته بما هو أقوى منه في الظهور ثم لا يخفى أن التمثيل بالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة تمثيل بما هو خارج عن محل البحث وقد تقدم الكلام فيها بما لا مزيد عليه ويمكن أن يجاب عن الوجه الثاني أيضا بأن المنهي عنه يجوز أن يكون ممتنعا بهذا المنع والمحال منع الممتنع بغيره وقد سبق الكلام فيه تنبيهات الأول قد عرفت مما حققنا عدم الفرق بين المنهي عنه لنفسه أو لجزئه أو لقيده المحمول كالوصف أو غيره ومنهم من ذهب إلى أن المنهي عنه لوصفه يرجع حكم النهي فيه إلى الوصف دون الموصوف فحكم في الربا المنهي عنه لوصف الزيادة أنه لو طرح الزيادة عادة