الشيخ محمد حسين الحائري
139
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
بالآخر أعني تخصيص النهي بالامر وإن قلنا بأنه لا يستفاد في العامين من وجه قلنا لا نسلم أن الخروج مورد الامر من حيث كونه خروجا بل من حيث كونه أنه تخلص من الغصب وهو أعم منه من وجه وإن انحصر في الخروج اتفاقا فإن الظاهر أن العام الذي أفراده الموجودة في الخارج منحصرة في الفرد بحسب العادة بل في نفس الامر أيضا لا يخرج عن كونه عاما في باب التعارض ولو فرض ورود الامر بخصوص الخروج فالظاهر أنه من جهة كون الفرد الغالب وهذا الجواب بسؤاله قد أورده بعض المعاصرين ووجوه فساده غير خفية على المحصلين والجواب ما مر من أن التكليف بالمحال محال وإن كان من قبل المكلف بل هذا التكليف في نفسه محال كما يظهر وجهه مما أسلفناه في المبحث المتقدم فلا محيص من إهمال دليل النهي لكونه ظنيا مستندا إلى مجرد الظاهر احتج من قال بأنه مأمور بالخروج ولا معصية عليه بما ذكرناه من استحالة التكليف بالمحال وجوابه أن ذلك إنما يقتضي عدم المعصية بنهي مقارن لا عدمها بنهي سابق كما بيناه فإن المكلف منهي قبل الدخول عن جميع أنحاء التصرف في ملك الغير بغير إذنه نهيا مطلقا غاية الأمر أن النهي يرتفع عنه على بعض الوجوه بالنسبة إلى المدة التي لا يتمكن من الترك فيها وذلك لا يوجب عدم كونه عاصيا لا يقال لو صح ذلك لزم أن يكون الخروج طاعة وعصيانا وهو محال لان الطاعة والعصيان أمران متنافيان بالضرورة فيمتنع استنادهما إلى شئ واحد أو تواردهما على محل واحد لأنا نقول إن أريد أن الطاعة والعصيان متنافيان من حيث نفسيهما فممنوع لان معناهما موافقة الطلب ومخالفته ولا منافاة بينهما مع تعدد الطلب وإن أريد أنهما متنافيان من حيث ما أضيفا إليه من الأمر والنهي فممنوع أيضا لأنهما إنما يتنافيان إذا اجتمعا في الزمان كما هو شأن التضاد وقد بينا أن زمن الامر غير زمن النهي وتوضيح المقام أن ترك الغصب مراد من المكلف بجميع أنحائه التي يتمكن من تركه إرادة فعلية مشروطا بقاؤها ببقاء تمكنه منه وحيث إنه قبل الدخول يتمكن من ترك الغصب بجميع أنحائه دخولا وخروجا فترك الجميع مراد منه قبل دخوله فإذا دخل فيه ارتفع تمكنه من تركه بجميع أنحائه مقدار ما يتوقف التخلص عليه وهو مقدار خروجه مثلا فيمتنع بقاء إرادة تركه كذلك وقضية ذلك أن لا يكون بعض أنحاء تركه حينئذ مطلوبا فيصح أن يتصف بالوجوب لخلوه عن المنافي والعقل والنقل قد تعاضدا على أن ليس ذلك إلا التصرف بالخروج فيكون للخروج بالقياس إلى ما قبل الدخول وما بعده حكمان متضادان أحدهما مطلق وهو النهي عن الخروج والاخر مشروط بالدخول وهو الامر به وهما غير مجتمعين فيه ليلزم الجمع بين الضدين بل يتصف بكل في زمان ويلحقه حكمهما من استحقاق العقاب والثواب باعتبار الحالين ولو كانت مبغوضية شئ في زمان مضادة لمطلوبيته في زمان آخر لامتنع البدأ في حقنا مع وضوح جوازه وإنما لا يترتب هنا أثر الأول لرفع البدأ له بخلاف المقام ولا يشكل بانتفاء الموصوف في الزمن السابق لوجوده في علم العالم ولو بوجهه الذي هو نفسه بوجه ولولا ذلك لامتنع تحقق الطلب إلا مع تحقق المطلوب في الخارج وهو محال ثم على المذهب المختار هل يصح منه الصلاة المندوبة وما بحكمها موميا حال الخروج وما بحكمه وجهان من ارتفاع الجرح عن تصرفه في تلك المدة ومن أنها كانت مطلوبة العدم قبل الدخول فلا تكون مطلوبة الوجود بعده وإلا لزم أن تكون فاسدة بالنسبة إلى حال وصحيحة بالنسبة إلى حال وهو محال لان الصحة والفساد وصفان متضادان يمتنع تعلقهما بمحل واحد ولو باعتبار زمانين والمعتمد هو الأول والجواب عن الثاني أن تأثير النهي في البطلان ليس كتأثيره في استحقاق العقوبة مطلقا بل مشروط ببقائه ومع انتفائه ينتفي موجب البطلان فيبقى موجب الصحة بلا معارض نعم قد يتطرق الاشكال إلى الصحة باعتبار توقفها على أمر يزيد على الخروج ولتحقيق ذلك مقام آخر ثم لا يذهب عليك أن فرض المسألة في توسط الأرض المغصوبة من باب المثال وإلا فالكلام يجري في نظائره مما لا حصر له كنزع الثوب المغصوب وإخراج الآلة من فرج الزانية ورد المال المغصوب إلى مالكه وغير ذلك فصل اختلفوا في دلالة النهي على الفساد المنهي عنه إلى أقوال ثالثها أنه يدل في العبادات دون المعاملات وهو خيرة العلامة وعزي إلى المحقق أيضا ثم اختلف القائلون بالدلالة فمنهم من أثبتها شرعا ولغة ومنهم من أثبتها شرعا بالنقل ونفاها لغة واختاره الحاجبي وهو المحكي عن السيد المرتضى وفصل بعض الأفاضل فأثبتها في العبادات لغة وفي المعاملات شرعا إن تعلق بها بعينها كبيع الميتة أو لصفة لازمة لها كبيع الملامسة والمنابذة ونكاح الشغار ونفاها في غير ذلك مطلقا وذهب شاذ إلى أنه يقتضي الصحة ولا بد أولا من تحقيق المعنى المتنازع فيه وتحرير محل النزاع فنقول العبادة قد تطلق ويراد بها الماهية المخترعة في الشرع التقرب بها وبعبارة أخرى ما يتوقف صحتها على قصد القربة سوأ كان فعلا كالطهارة والصلاة والزكاة والحج والاعتكاف أو تركا كالصوم وقد تطلق على كل ما وقع على وجه التعبد به سواء كان أمرا مخترعا له في الشرع كالمذكورات أو لا كأداء الدين والزيارة ودفن الأموات والمعاملات الراجحة إذا قصد بها القربة وهي بالمعنى الثاني أعم منها بالمعنى الأول وقد تعرف العبادة بما لم يعلم انحصار المصلحة فيها في شئ وهذا غير سديد لانتقاضه عكسا بالعبادة التي علم انحصار المصلحة فيها في الامتثال بغيرها ونحوه كالطهارة وطردا بالواجبات التي ليست عبادة ولا ينحصر مصالحها في شئ كوجوب توجيه الميت إلى القبلة والمعاملة قد تطلق ويراد بها العقود المفتقرة إلى إيجاب وقبول وهي التي لا يقع صيغها إلا من شخصين ولو بالقوة كالبيع والصلح والإجارة والنكاح وقد يطلق ويراد بها ما يتناول الايقاعات أيضا وهي التي يقع صيغها من شخص واحد كالعتق والطلاق والمناسب للمقام تفسير العبادة بالمعنى الأول ليستقيم اعتبار الصحة والفساد فيها من غير تعسف والمعاملة بالمعنى الثاني لعدم اختصاص هذه المباحث بها بالمعنى الأول ثم الصحة والفساد وصفان متقابلان يوصف بهما العبادات تارة