الشيخ محمد حسين الحائري

135

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

مضافا إلى ما مر أنهما في هذه المرتبة عريتان عن وصف الاتحاد والاثنينية ولهذا قد تتحدان وقد تتغايران وتحقيقه يطلب من محله ثم اعلم أنه ينبغي أن يحمل الغير في قول القائل بأن كراهة العبادة عبارة عن مرجوحيتها بالنسبة إلى الغير على الطبيعة المجردة عن جميع الاعتبارات الزائدة أو الفرد الذي في مرتبتها كما مر في الجواب السابق إذ لو أطلق لم يستقم لظهور أن كل ما يكون مرجوحا بالنسبة إلى الغير لا يسمى مكروها ألا ترى أنه لا يقال الزكاة مكروهة لأنها مرجوحة أي أقل رجحانا بالنسبة إلى الصلاة ولا الصلاة مكروهة لأنها مرجوحة بالنسبة إلى المعرفة ولا يقال الصلاة في مسجد السوق مكروهة لأنها أقل رجحانا من الصلاة في مسجد الجامع إلى غير ذلك وحينئذ فيكون ترك الفرد المرجوح مقدمة للتوصل إلى الفرد الأرجح حيث يتوقف عليه كما هو الغالب فيكون مرجوحا له من باب المقدمة لا محالة فيكون قوله فكما يجتمع الوجوب النفسي مع الاستحباب الغيري إلى آخره دفعا للاشكال الوارد على التفصيل المذكور باعتبار ما يلزمه في أكثر الموارد فإن مرجوحية عبادة بالنسبة إلى أخرى تستلزم رجحان تركها لها إذا توقفت عليه ومرجعه إلى الدفع بطريق النقض فلا يرد عليه ما أورده عليه من أن فيه رجوعا عما بنى عليه الكلام أولا وأما ما ذكره في دفع الاستشهاد المذكور فضعفه ظاهر مما قررناه هنا وفي مبحث الواجب المخير والتحقيق أن الوجوب والندب إما أن يتحدا جهة بأن يكونا نفسيين أو غيريين مع اتحاد الغير أو لا فإن كان الأول امتنع الاجتماع لمنافاة المنع من ترك الفعل حينئذ لعدم المنع منه وهذا ظاهر واعتبار تغاير الجهة كما فعله المعاصر المذكور غير مجد في دفع التناقض إذ لا تغاير بين مورد الحكمين لظهور أن إيقاع الصلاة في المسجد وهو الموصوف بالرجحان الندبي عين إيقاع الصلاة الموصوف بالرجحان الوجوبي في الخارج وقد عرفت أن الاحكام إنما تتعلق بالطبائع باعتباره وربما سبق إلى بعض الأوهام أن مورد الاستحباب اختيار الفرد الأفضل ومورد الوجوب هو فعل الواجب وهو واضح الفساد لأنه إن أراد بالاختيار الإرادة فمع فساده في نفسه كما لا يخفى يوجب الخروج عن محل النزاع لان الكلام في استحباب الواجب لا في استحباب إرادته وإن أراد شيئا آخر فهو مما لا يساعد النظر الصحيح على إدراكه وأما حكم بعض الأصحاب باستحباب بعض أفراد الواجب النفسي التخييري عقلا أو شرعا لنفسه كالصلاة في المسجد وكالاتمام في المواضع الأربعة أو الغيري للغير كالسير ماشيا للحج فيمكن تنزيله على معنى أنه أرجح من الافراد المجردة عن الاعتبارات المؤثرة في رجحانها أو أكثر ثوابا منها بقرينة تفسيرهم لمكروه العبادة بما يقابل التفسيرين ويمكن أن يعتبر الاستحباب باعتبار تحصيل الرجحان الثابت في الفعل الزائد على الرجحان الوجوبي فإنه رجحان يرجح تحصيله على التعيين مع جواز تركه لا إلى بدل مطلقا ولا يرد أن ذلك يجري أيضا فيما لا تخيير فيه بتحليل ما فيه من الرجحان مع أنه لا يعتبر فيه وذلك لان امتياز تلك الزيادة هنا بمقابلة البدل يصلح وجها لاعتبارها منفردة بخلاف ما لا تخيير فيه لكن يضعفه أن تحصيل الرجحان الزائد عين تحصيل رجحان الوجوبي فيبقى الاشكال بحاله وإن كان الثاني جاز الاجتماع إذ لو امتنع لكان إما باعتبار الرجحان ولا حجر من هذه الجهة إذ انضمام الرجحان إلى الرجحان لا يوجب إلا تأكد الرجحان أو باعتبار ما تقوما به من المنع من النقيض وعدمه ولا حجر من هذه الجهة أيضا لان الوجوب والندب حيث كانا باعتبار جهتين كان المنع من الترك وعدمه أيضا باعتبارهما ولا منافاة بين المنع من ترك الفعل لنفسه أو لغيره وبين عدم المنع منه لغيره أو لأمر آخر فإن عدم المنع من النقيض بأحد الاعتبارين راجع إلى عدم اقتضاء ذلك الاعتبار للمنع وهو لا ينافي اقتضاء اعتبار آخر له وبالجملة فاللازم له عدم منع خاص فلا يقتضي عدم العام أعني المنع مطلقا فجاز أن يتحقق المنع من النقيض بالاعتبار الاخر وببيان آخر يصدق على الواجب لنفسه أنه ليس بواجب لغيره وذلك يوجب أن لا يكون ممنوع الترك لغيره فإذا انضم إليه رجحانه له حصل ماهية الاستحباب لغيره وكذلك يصدق على الواجب لغيره أنه ليس بواجب لنفسه وذلك يوجب أن لا يكون ممنوع الترك لنفسه فإذا انضم إليه رجحانه لنفسه كان استحبابا نفسيا لا يقال يمكن أن يقال علي الوجه الأول أيضا إن الصلاة المكتوبة ممنوعة من تركها من حيث ذاتها فهي واجبة بهذه الحيثية وغير ممنوعة منه من حيث وقوعها في المسجد إذ ليس لوقوعها في المسجد تأثير في وجوبها بل هي واجبة في ذاتها وقعت في المسجد أو لم تقع فيه لكنها راجحة من هذه الحيثية على التعيين فيكون مندوبة على التعيين من هذه الحيثية لصدق كلا جزئيه من الرجحان وعدم المنع لأنا نقول عدم المنع من تركها من حيث وقوعها في المسجد لا يقتضي عدم المنع من الترك الذي به قوام المندوب بأحد الاعتبارين أعني النفسي والغيري لثبوت المنع بالاعتبار الأول على ما هو المفروض بل إنما يقتضي عدم استناده إلى وقوعها في المسجد وهذا لا يكفي في تحصيل ماهية المندوب النفسي لان المعتبر فيه عدم المنع النفسي لا عدم استناده إلى أمر معين وهذا بخلاف الواجب الغيري ومندوبه فإنه يجوز أن يختلف باختلاف الاعتبار والسر في ذلك أن الواجب النفسي عندهم عبارة عما كان رجحانه أو مطلوبيته لنفسه مع كونه ممنوعا من النقيض لنفسه والمندوب النفسي عبارة عما كان موصوفا بذلك الرجحان أو المطلوبية لكن مع عدم المنع من النقيض لنفسه والمنع من النقيض وعدمه لنفسه مما لا يجتمعان في محل واحد والمطلوب الغيري ما كان مطلوبيته للتوصل إلى غيره وهذا يخالف المطلوب النفسي ويختلف باختلاف الاعتبار لاعتبار مطلوبيته بالقياس إليها ولهذا صح أن يكون مقدمة واجبة لنفسها أو لأمر ومندوبة لاخر فيصدق عليها الواجب النفسي أو الغيري والمندوب الغيري على الحقيقة نعم لو فسر الوجوب النفسي برجحان الفعل في نفسه المانع من النقيض والاستحباب النفسي برجحانه لنفسه الغير المانع من النقيض احتمل الاجتماع لارتفاع التنافي إلا أن المعروف بينهم هو الأول ولهذا حكموا بتضاد الأحكام الخمسة والسر فيه أن الرجحان النفسي لا يتعدد بتعدد الجهات المقتضية له إلا في التحليل الذي ليس مبنى اعتبار الاحكام عليه بل يتأكد ويتقوى بتكثرها ويكون الحاصل