الشيخ محمد حسين الحائري
132
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
كما يستفاد من كراهة صوم يوم عرفة لمن خاف أن يضعفه من الدعاء وعلى مثل هذا يمكن أن يحمل ما نسب إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من أنه عليه السلام كان يترك النوافل إذا أصابه هم أو غم فإن النفس إذا أصابها هم أو غم امتنعت عن التوجه بالكلية إليه تعالى والاقبال عليه بأفعال الصلاة فجاز أن يترجح حينئذ عليها ما لا يترجح عليها في غير هذه الحالة ولو مثل التوصل إلى قضائها عند التوجه والاقبال فإن استبعد مثل ذلك بالنسبة إلى منصب الإمامة أمكن الحمل على أن الغرض منه التعليم والارشاد كما يوجه به ما ورد من تركهم عليهم السلام أحيانا لبعض الأمور الراجحة مطلقا مع احتمال أن يكون تركه عليه السلام للتشاغل بتدبير أو إصلاح أو نحوه مما هو أهم من النافلة وأما أنهم عليهم السلام كانوا ينهون شيعتهم عنها فلا نسلم أنهم كانوا يقصدون به طلب الترك بل الارشاد للتوصل إلى البدل الأفضل ولو مثل رفع سأمة العبادة عن النفس بحيث تشتاقها وتترقبها وما ذكر من أن ذلك لا يجري فيما لا بدل له كالصوم في السفر والنافلة المبتدئة في الأزمنة المكروهة ففيه أن ليس المراد بالبدل ما يكون مشروعيته على وجه البدلية أو ما يعتبر فيه نية البدلية بل المراد ما يكون بدلا في الاختيار والارتكاب وبهذا يظهر ضعف قوله وهذا اعتراف بأن الراجح تركها في الوقت المرجوح من غير بدل قوله مع أن هذا بعيد عما يقل وقوعه إلخ فيه أن هذا الاستبعاد إنما يتجه فيما إذا كان المقصود بدلية صوم يوم آخر وأما إذا كان المقصود بدلية عبادة أخرى ولو غير الصوم كما في صوم عرفة فلا فرق بين ما يقل وقوعه وبين غيره وأما ثانيا فبأنا نختار أن الكراهة فيها بمعنى رجحان الترك وأن النواهي مستعملة في طلب الترك تنزيها كما هو الظاهر منها لكن نقول رجحان الترك وطلبه غيري فلا ينافي رجحان الفعل ومطلوبيته لنفسه وذلك لان المطلوب للغير والراجح له إنما يكون مطلوبا وراجحا على تقدير حصول الغير لا مطلقا على ما سبق تحقيقه عند بحث المقدمة فالعبادة المكروهة إذا صدرت عن المكلف لا تتصف حقيقة إلا بالرجحان وبالجملة فالعبادة المكروهة مطلوب فعلها على تقدير عدم التوصل بتركها إلى فعل الأرجح وتركها على تقدير التوصل بتركه إلى فعله فلا يلزم توارد الرجحان والمرجوحية على شئ واحد نعم من التزم برجحان المقدمة مطلقا فلا محيص له عن الاشكال المذكور ولا يخفى أن هذا الوجه بهذا البيان قريب من الوجه الآتي أو راجع إليه هذا ولقائل أن يقول قضية هذا البيان أن المقصود بتلك النواهي تركها للوصلة إلى ما هو أرجح منها وهو فيما لا بدل له بعيد إذ معظم أخبار النهي فيه مطلقة ولا تعرض فيها لبيان الأرجح الذي يترجح الترك للوصلة إليه مع ظهور أنه لا يمكن الوقوف عليه من غير طريق النص غالبا فلو كان المقصود منها رجحان الترك لذلك لوجب البيان لئلا يدعها السامع من غير بدل أو إلى بدل دونها أو مثلها في الفضل والتزام وقوع البيان وعدم النقل بعيد جدا لان المقام مما يعم به البلوى وطريقتهم في مثل ذلك جارية على النقل ويمكن دفعه بأن ذلك مجرد استبعاد لا يكافئ ما مر من الأدلة القطعية مع وقوع البيان في الجملة كما في صوم يوم عرفة ثم أقول والذي يساعد عليه النظر الصحيح أن الكراهة بالمعنى المصطلح عليه يشتمل على رجحان الترك ومطلوبيته ومرجوحية الفعل وهذه الأمور مشتركة عند التحقيق بين مكروه الراجح من الواجب والمندوب وغيره إلا أن مرجوحية الفعل في مكروه غير الراجح مأخوذة بالنسبة إلى الترك ومطلوبية الترك ورجحانه معتبران فيه لنفسه ولا إشكال وأما مكروه الراجح فيصح تصوير ذلك بوجهين الأول أن يكون مرجوحية الفعل فيه بالنسبة إلى طبيعة المعراة عن اللواحق الموجبة لتأكد رجحانها كما مر الإشارة إليه ويكون مطلوبية الترك ورجحانه فيه للتوصل إلى ما هو الأفضل وهذا مطرد في مكروه الواجبات النفسية وقد يجري في مكروه المندوب أيضا كصوم يوم عرفة في حق من يضعفه عن الدعاء إن قلنا بأن إيراثه الفتور والضعف عن الدعاء يوجب منقصة في رجحانه على حسب ما مر الثاني أن يكون المرجوحية فيه لاحقة لفعله المقيد بقصد القربة مقيسا إلى تركه المقيد به والمطلوبية والرجحان لاحقين لتركه المقيد به لنفسه فيكون كل من الفعل بقصد الامتثال راجحا ومطلوبا لنفسه ويكون الترك أرجح من الفعل فيكون الفعل مرجوحا بالنسبة إليه وبهذا البيان يقرب مكروه العبادة من مكروه غيرها فيجوز في مثل الصوم في السفر على القول بجوازه أن يكون كل من فعله على وجه الامتثال وتركه كذلك مطلوبا على التخيير والبدلية مع أفضلية الترك بل الظاهر أن الامر في كثير من مكروه المندوبات التي لا بدل لها كذلك بل يمكن أن يتصور ذلك في مكروه الواجب أيضا إلا أن وقوعه في أصل الشرع غير ثابت ويصح اعتباره في الملتزم وبه يندفع الاستبعاد المذكور وينحسم الاشكالات السابقة وهو أوفق بظاهر تركهم عليهم السلام لها ونهيهم عنها وتحقيق ذلك أن من الافعال ما يترجح فعله على تركه مطلقا أي سواء وقع على وجه العبادة أو لا لتعلق طلب الشارع به كذلك وهذا كالواجبات التي لا يعتبر في وقوعها قصد القربة كأداء الدين وإنقاذ الغريق ودفن الموتى فإن في فعلها سلامة من العصيان واستحقاق العقاب المترتب على تركها فيترجح على تركها الموجب له مطلقا ومنها ما يترجح فعله على تركه لا مطلقا بل إن وقع على وجه الامتثال فقط وهذا كالواجبات التي لا تقع إلا بقصد القربة كالصلاة والزكاة والحج فإن هذه الأفعال إنما تترجح إذا وقعت بقصد الامتثال لتعلق أمر الشارع بها كذلك وكذلك التروك قد يتعلق بها غرض الشارع مطلقا كترك الزنا والسرقة وقد تتعلق بها إذا وقعت بقصد الامتثال كترك مفطرات الصوم ثم كل منهما إما أن يترجح فعله مثلا على تركه المطلق فيقتضي مرجوحية تركه مطلقا وهذا كالواجبات التعينية وقد يترجح بالنسبة إلى ترك مخصوص فلا يقتضي إلا مرجوحيته دون مرجوحية الترك مطلقا وهذا كالواجبات التخييرية التي يتعذر الجمع بينها شرعا أو عقلا عادة أو اتفاقا كما في خصال الكفارة حيث لا يمكن الجمع بينها فإن فعل العتق حينئذ مثلا راجح على تركه المجرد عن فعل سائر الخصال أو غير راجح على تركه المترتب عليه فعلها لأنه مقدمة لها فيكون مطلوبا على حد مطلوبيتها