الشيخ محمد حسين الحائري

123

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

وشبهه ولو كان له عموم بالنسبة إليها أيضا لصح ذلك من غير تقدير لأنا نقول ليس الغرض شمول النفي للأزمان أصالة بل تبعا من حيث شموله لجميع الافراد المتحققة في جميع الأزمان كما هو قضية رفع الطبيعة المطلقة إذ بدونه لا يكون المنفي هي الماهية المطلقة بل المقيدة بزمان دون زمان وهو خلاف الفرض ومما يؤكد ذلك ما تقرر في محله من أن الزمان من مشخصات الفعل فالفرد الحاصل في كل جز من الزمان لا يكون إلا موجودا فيه فلا ينفك عموم الافراد حقيقة عن عموم الأزمان وأما عدم صحة استثناء بعض الأزمان في المثال المذكور من غير تأويل فإنما هو لعدم التجانس المعتبر في الاستثناء المتصل فلا ينافي تناوله للأفراد المتحققة فيها وإنما يتم ما ذكر إذا لم يصح استثناء بعض الافراد المقيدة ببعض تلك الأزمان وهو ممنوع ومما حققنا يظهر ضعف فرق بعض المعاصرين بين شموله لافراد زمان واحد وشموله للأفراد الحاصلة في جميع الأزمنة حيث قطع بدلالته على الأول دون الثاني بل منع من دلالته عليها مع أنهما على ما عرفت من باب واحد وإن شئت مزيد بيان للمقام وزيادة توضيح للمرام فاعلم أن للماهية بحسب الاعتبار حالات ثلاث لأنها إما أن تعتبر مقيدة أو لا والثاني هي الماهية لا بشرط وعلى الأول إما أن يكون القيد وجود شئ أو عدمه فالأول هو الماهية بشرط شئ والثاني هو الماهية بشرط لا فتقسم الماهية إلى هذه الأقسام بواسطة انقسام ما يلحقها من الأحوال الاعتبارية والمقسم هو الماهية المعتبرة مجردة عن تلك الاعتبارات ولا يقدح لزوم ارتفاع النقيضين من ثبوت التقييد بالاعتبارين وعدمه عنها لجوازه بالنسبة إلى مرتبة الذات لان مرجعه إلى سلب اقتضائها لهما لا إلى اقتضائها لسلبهما عنها وحينئذ فتتغاير الأقسام في الاعتبار وتتقابل لتقابل الاعتبارات وقد تعتبر هذه الأقسام بالنسبة إلى الواقع من الذهن والخارج ثم الماهية الممكنة المأخوذة بشرط شئ بكل من الاعتبارين يتبع في الامكان وعدمه إمكان لحوق الشرط لها وعدمه وهذا واضح والماهية المأخوذة بشرط لا بالاعتبارين إن اعتبرت بالقياس إلى شئ معين جاز وجودها حقيقة ذهنا وخارجا في الجملة كالانسان بشرط عدم كونه متحركا بالفعل وإلا امتنع إذ لا أقل من تقيدها بالوجود ولوازمه نعم للعقل أن يعتبرها بشرط عرائها عن جميع ما يعتريها من اللواحق حتى من وجودها الذهني الذي هو نفس تصورها لكن وجودها حينئذ اعتباري لا حقيقي والماهية لا بشرط إن أخذت بالاعتبار الأول أمكن وجودها حقيقة ذهنا وخارجا إذ عدم اعتبار الشرط لا يقتضي العدم وإن أخذت بالاعتبار الثاني امتنع وجودها لاستحالة خلو الموضوع الموجود عن عين المحمول ونقيضه وعند التحقيق الماهية المعتبرة لا بشرط بالاعتبار الأول هي ماهية مأخوذة بشرط لا بالنسبة إلى ذلك الاعتبار بالاعتبار الثاني فإذا تبين عندك مما حققناه أن للماهية بالنظر إلى الاعتبار والتصور كما هو المعتبر حال الوضع حالات ثلاث وبالنظر إلى الوجود والواقع كما هو المعتبر حال الاستعمال حالتين لاستحالة وجودها بالحالة الثانية ظهر صحة ما ادعيناه في المقامين فإنه إن لوحظ نفي الماهية وجرد النظر عما لها من التقييد بشئ وعدمه كملاحظة الواضع لها حين الوضع لم يوجد له دلالة على عموم النفي لصلوحه له ولخلافه لان نفي الماهية المأخوذة بهذا الاعتبار مردد بين أن يكون نفيا للماهية المطلقة والمقيدة لظهور أن النفي إنما يتعلق بالماهية الملحوظة على ما تقرر عليه في اللحاظ واقعا ولا يدور مدار الاعتبار وهي بهذا الاعتبار غير منفكة عن أحد الاعتبارين وإن جرد النظر عنهما وإن لوحظ باعتبار ما لها من التقييد بعدم شئ معها وهو اعتبار إطلاقها دل على عموم النفي إذ لا يصدق رفع الماهية الغير المقيدة مع وجود مقيد من مقيداتها ويمكن تقرير الدليل بوجه آخر أوضح وهو أن صيغة النهي عند الاطلاق تدل على طلب نفي الماهية في الزمن المشترك بين الحال والاستقبال بدليل أنها مأخوذة من المضارع الموضوع للقدر المشترك بين الزمنين كما هو المختار ولا يصدق نفي الماهية في الزمن المشترك بين الزمنين إلا بترك جميع أفرادها في جميع أفرادهما كما لا يصدق قولنا ما ضرب زيد إلا بانتفاء جميع أفراد الضرب منه في جميع أفراد الزمن الماضي للبيان الذي سبق فيلزم من ذلك دلالتها على الدوام عند الاطلاق وهو المقصود الرابع ما وجدناه في كلام بعض المعاصرين في توجيه حجة المثبتين وهو أن المطلوب بالنهي المطلق إن لم يكن دوام الترك لكان المطلوب منه الترك في وقت معين والتالي باطل إذ لا دليل على التعيين فيلزم الاغراء بالجهل ورده بعد ما عده وجها وجيها بما حاصله منع الملازمة لجواز أن يكون المطلوب طبيعة الترك في أي وقت اتفق كما مر نظيره في الامر فلا يثبت الدوام ثم بنى على هذا الرد والتحقيق أن الملازمة فيه في الجملة ظاهرة لان ترك الفعل في الجملة مما لا يصلح غالبا لان يكون مطلوبا للعقلا ومقصودا لهم لوقوعه من كل فاعل لا محالة فإن كل زان يترك الزنا في الجملة وكل سارق يترك السرقة في الجملة وهكذا وصيرورة الترك بالنهي صالحا لان يقصد به الامتثال فيترتب عليه آثاره مما لا يعتد به في مثل المقام فائدة نعم يتجه على الملازمة أمران الأول أن المطلوب بالنهي قد يكون الترك على وجه الامتثال وهو غير لازم الحصول على تقدير عدم النهي ويمكن دفعه بأن الكلام في النهي المطلق وهو ظاهر في طلب الترك المطلق على حذو ما مر تحقيقه في مبحث الأمر الثاني أن الفعل المنهي عنه قد يكون مما يمكن بقاؤه واستمراره كالتعرب عن البلدان وهجر الاخوان والتخلق بمساوي الأخلاق وغير ذلك مما لا يلزم فيه وقوع الترك في الجملة ويمكن دفعه بأنه لا محيص من التزام القول بالاستمرار في غيره فيمكن إتمام الكلام فيه بعدم القول بالفصل وربما أمكن منع بطلان التالي بالتزام القول بالفورية دون الاستمرار لكنه ضعيف ولا يخفى أن هذا الوجه لا يصلح مستندا للمثبتين لأنه لا يقتضي دلالة