الشيخ محمد حسين الحائري
111
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الرؤيا عبارة عن جعلها صادقة مطابقة للخارج بناء على أنه من تصديق القول بمعنى جعله صادقا لا من التصديق بمعنى الاذعان فإذن لا بد من التأويل أما في قوله أذبحك بحمله على فعل مقدمات الذبح مما أتى بها في الخارج أو بحمل التصديق على تصديق البعض أعني المقدمات فقط ولا ريب أن الثاني أنسب بالاشفاق والامتحان وحديث الفداء لأنه كان مأمورا بالاتيان بما يفعله في منامه كما يرشد إليه قوله يا أبت افعل ما تؤمر فارتكابه أولى لا يقال الأولوية ممنوعة إذ يلزم على هذا التقدير ارتكاب التخصيص أو النسخ فيما دل على كونه مكلفا بفعل ما يراه في منامه ولا يلزم ذلك على التقدير الأول لأنا نقول لا نسلم لزوم ذلك لجواز أن يكون مأمورا بذلك على تقدير عدم ورود الامر بالبدل لكن لما خفي ذلك على إبراهيم امتحانا له في أمر ولده وجب عليه بحسب الظاهر أن يقدم على ذبحه فإن الأنبياء كما يكلفون بالأحكام الواقعية كذلك قد يكلفون بالأحكام الظاهرية فكأن الامر بالفداء أو المجئ به كاشفا عن عدم تعلق الامر بالذبح به واقعا فلا يلزم شئ من المحذورين وعلى هذا البيان يساعد لفظ الفداء إذ المتبادر منه سقوط الحكم عن المفدي عنه بسببه والعجب من المعترض المذكور أنه بعد أن رد الجواب المذكور بما مر وجوابا آخر بظاهره التزام بمقالة الخصم حكاه عن بعضهم وهو أن ذلك من باب البدأ الذي تقول به الشيعة قال فالأولى جعل ذلك من باب النسخ والقول بجوازه قبل العمل أو من باب إرادة العزم والتوطين وظاهر أن الجواب الأول راجع إلى تسليم كلام الخصم على ما عرفت والثاني راجع بظاهره إلى الوجه الذي اعترض عليه الرابع أن الامر كما يحسن لمصالح في المأمور به كذلك يحسن لمصالح في نفس الامر كما في المقام فإن المأمور حيث لا يعلم انتفاء الشرط يتعين عليه الاقدام على الامتثال فإن أقدم استحق بذلك اللطف والكرامة وإن استنكف استحق الخذلان والمهانة وكذلك قد يقصد به استخبار حال المأمور أو غيره من الانقياد وعدمه أو غير ذلك وأجاب عنه في المعالم بأنه لو سلم فالطلب هناك ليس للفعل بل للعزم عليه والانقياد إليه فيخرج عن محل النزاع ولا يخفى أنه تعسف بل الظاهر في مثله أن يحمل الامر إما على الامر الصوري أو المشروط كما عرفت والثاني أظهر وقوله لو سلم كأنه إشارة إلى أن جواز الاستعمال المذكور في محل المنع ولو عند من منع تأخير البيان عن وقت الخطاب فإن هذه اللفظة كثيرا ما تستعمل للتنبيه على مثل ذلك وليس غرضه المنع من جواز ذلك الاستعمال عنده كما استظهره بعض المعاصرين منها إذ مستند المنع منحصر في لزوم الاغراء بالجهل كما تمسك به شارح التهذيب وهو لا يقول به كما نص عليه في مبحث التخصيص وغيره ثم لا يخفى أن هذا النزاع من جزئيات النزاع في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب فلا يناسب إيراده في المقام بهذا العنوان كما فعله البعض واعلم أن الفاضل المعاصر أجاب عن الحجة المذكورة بأنه خروج عن المتنازع فيه وتوجيهه أن المراد من الامر حينئذ لا يكون نفس المأمور به بل المصالح المترتبة على الامر فيكون مجازا والنزاع المعروف إنما هو فيما إذا كان المراد نفس المأمور به وهذا التوجيه وإن لم يصرح به لكنه مستفاد من تحريره لمحل النزاع ومن مساق كلماته وضعفه ظاهر لان إرادة نفس الفعل لا تنافي إرادة تلك المصالح فإن تلك المصالح في الحقيقة تترتب على إبراز تلك الإرادة وكذا لا يلزم التجوز في لفظ الامر إذ ليس مستعملا حينئذ في طلب تلك المصالح بل في طلب نفس المأمور به مع أن من جملة المصالح الاختبار والامر به غير معقول وقصد ترتب تلك المصالح لا يوجب استعمال اللفظ فيه وهذا ظاهر جدا فصل الحق أنه إذا نسخ الوجوب المستفاد من الامر [ لا يوجب ] لا يبقى معه الدلالة على الجواز وأن الجواز الثابت في ضمن الوجوب لا يبقى بعد نسخه وفاقا لأكثر المحققين نعم نقول بثبوت الجواز بمعنى الإباحة في غير العبادات وفي غير ما يحكم العقل بتحريمه ظاهرا عند عدم دليل على خلافه كالحد بالنظر إلى الأصول والقواعد المقررة سواء كان الفعل المأمور به متصفا بغيرها قبل الاتصاف بالحكم المنسوخ أو لا وأما إذا كانت عبادة وقصد بها القربة فلا ريب في حرمته من حيث التشريع وما قيل من أنه يرجع إلى الحكم السابق على الوجوب فهو على إطلاقه غير مستقيم لان الحكم السابق على الوجوب قد يكون غير الإباحة وظاهر أن نسخ الوجوب بمجرده لا يقتضي عوده ويمكن تنزيله على ما ذكرناه لتقدم الإباحة عليه في مواردها أيضا ثم خالف قوم فحكموا ببقاء الجواز والظاهر أنهم أرادوا به الجواز بالمعنى الأعم كما صرح به بعضهم بقرينة لفظ البقاء ويساعد عليه ظاهر الاستدلال الآتي ويمكن أن يكون المراد به الجواز بالمعنى الأخص كما نص عليه بعض المتأخرين ولا بد حينئذ من حمل كلماتهم على أن الامر والنسخ يقتضيان ذلك والاستدلال الآتي وإن وفي بإثباته أخيرا إلا أن مساقه أولا يدل على إرادة المعنى الأول ثم منهم من ذهب إلى أنه يقتضي الاستحباب لنا أن الجواز بكلا نوعيه حكم شرعي يستدعي إثباته بدليل أن يكون ذلك الدليل صالحا للدلالة عليه وليس في الامر المنسوخ ولو مع النسخ دلالة عليه لما سنبين من بطلان ما تمسك به الخصم في إثبات دلالته عليه وعدم ما يصلح له سواه ولنا أيضا أنه لو دل لفظ الامر عليه كما يراه الخصم لكانت دلالته عليه بالتضمن باعتبار زمان وبالمطابقة باعتبار زمان آخر [ وهو غير جائز ] وبعبارة أخرى لكان تمام ما استعمل فيه الامر معنى حقيقيا باعتبار زمان ومعنى مجازيا باعتبار زمان آخر وهو لا يستقيم مع اتحاد الاستعمال وببيان أوضح إما أن يكون المدلول المراد من الامر حينئذ الكل أو البعض أو كليهما على الاستقلال والأول يوجب ارتفاع المدلول بارتفاع بعض المعنى ضرورة أن الكل ينعدم بانعدام الجز فترتفع الدلالة لظهور أنها أمر نسبي بين اللفظ والمعنى يمتنع وجودها بدون طرفيها والثاني يوجب أن يكون المستعمل فيه هو الجز دون الكل وهو خلاف الفرض والثالث يقتضي استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي وقد مر فساده وعلى تقدير صحته لا يصار إليه إلا بالقرينة الدالة على إرادتهما والتقدير انتفائها ولا يتوجه النقض بنسخ الحكم عن بعض أفراد العام لان