الشيخ محمد حسين الحائري
103
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
بالتصريح باللفظ لتحقق التخيير بين الواجبات العقلية كمقدمة الواجب إذا دارت بين أمور جائزة فإن كل واحد منها مقدمة من حيث الخصوصية فيجب كذلك عقلا على التخيير وهذا الفرق يبتني على ما اخترناه في معنى الوجوب التخييري ولك أن تجعل الفرق اعتباريا فإن الوجوب إن قيس إلى الطبيعة التي لا يدل لها سمي تعيينيا وإن قيس إلى وجوداتها البدلية سمي تخييريا هذا وفرق الفاضل المعاصر بأن الكلي في المخير جعلي منتزع من الافراد تابع لها في الوجود كأحد الابدال بخلافه في التعيينيات فإنه متأصل وعلة للأفراد وسابق عليها طبعا وهو كما ترى والجواب أنا نختار أن الواجب هو الجميع لكن لا على التعيين بل على التخيير فإن الوجوب كما يكون تعيينيا كذلك يكون تخييريا ووجوب الجميع بالوجوب التخييري لا يوجب خروجه عن محل النزاع بل يصحح دخوله فيه وتحقيق هذا المقال وتوضيح هذا الاجمال أنه لا ريب في أن الوجوب باعتبار كونه وجوبا ينافي جواز الترك المطلق مطلقا فيمتنع أن يكون الواجب باعتبار كونه واجبا جائز الترك مطلقا لكنه لا ينافي جواز الترك في الجملة فيصح أن يكون الواجب باعتبار كونه واجبا جائز الترك إلى بدل كما يصح أن يكون الواجب باعتبار كونه واجبا غير جائز الترك إلى غيره مطلقا وقد جرى مصطلحهم على تسمية الوجوب الذي يشوبه جواز الترك بالمعنى المذكور بالوجوب التخييري نظرا إلى عدم اقتضائه تعيين الفعل وتسقيه ما لا يشوبه الجواز المذكور وجوبا تعيينيا لتعيينه إياه فقولنا في الخصال العتق واجب لا على التعيين معناه أن العتق واجب بوجوب لا يقتضي تعيينه في الجملة وذلك لما فيه من شوب جواز الترك إلى البواقي وليس معناه أن العتق واجب مجردا عن اعتبار تعيينه فإنه على تقدير صحته لا جدوى فيه ضرورة أن العتق المجرد عن اعتبار تعيينه ليس إلا عتقا ثم أقول من قال بأن الواجب في صورة التخيير هو أحد الأمور إن أراد به مصداقا لا بعينه ورد عليه ما مر من امتناع وجوده في الخارج وإن أراد به المفهوم الحاصل في ضمن الافراد كما نص عليه الحاجبي والعضدي اتجه عليه إشكالان الأول أنه لا يتم على القول بعدم وجود الطبائع في الخارج كما يراه الحاجبي حيث اختار المنع من تعلق الامر بالطبيعة وخص تعلقه بالافراد واحتج عليه بامتناع وجود الكلي الطبيعي في الخارج مع أنه قد اختار في المقام أن الواجب مفهوم الأحد الحاصل في ضمن الافراد فبين ما اختاره في المقامين تدافع الثاني أن الطلب المتعلق بمفهوم الأحد غير متعلق به باعتبار كونه مفهوم أحد وإلا لامتثل بإتيان غير المذكور بل متعلق به باعتبار كونه مقيدا بأحد الأمور المذكورة ولا ريب أن المفهوم المقيد بكل واحد يباين المفهوم المقيد بالآخر كنفس القيد إذ قضية مباينة القيود مباينة التقييدات المقتضية لمباينة المقيدات من حيث كونها مقيدات فإن تعلق الوجوب بواحد من تلك المقيدات لا بعينه كان مبهما وورد عليه ما مر من أنه ممتنع وإن تعلق بمفهوم أحدها عاد الكلام إليه فاتضح مما حققنا أن صرف الوجوب في الواجب المخير إلى مفهوم أحد الأمور غير مجد في رفع الاشكال وأن طريق التخلص منحصر فيما ذكرناه ومما حققنا في معنى الواجب يتبين أن المكلف إذا أتى بالجميع دفعة واحدة امتثل الطلب التخييري بالجميع إذا لم يكن منهيا عن الجمع لوقوع الجميع على وجهه ولامتناع عدم الامتثال حينئذ أو الامتثال بالمبهم لان الامتثال أمر وجودي ، يستدعي محلا وجوديا والمبهم لا وجود له أو ترجيح البعض لانتفاء المرجح لا يقال قضية الوجوب التخييري أن لا يكون كل واحد مطلوبا حال حصول الاخر فإن ذلك قضية بدلية كل واحد عن الاخر فإذا أتى المكلف بما زاد على الواحد دفعة كان حصول كل واحد مقارنا لحصول الاخر فيلزم أن لا يكون الكل مطلوبا حال وقوعه ويلزم منه أن لا يحصل الامتثال بها أصلا لأنا نقول نمنع المقدمة الأولى تارة ولزوم المدعى أخرى وذلك لأنا إن قلنا ببقاء التكليف حال الفعل كما يراه جماعة منعنا كون قضية التخيير أن لا يكون كل واحد مطلوبا حال حصول الاخر بل بعد حصوله وإلا لزم أن يؤول كل واجب تخييري إلى وجوب تعييني فيمتنع أن يقع من المكلف واجب تخييري على صفة كونه واجبا تخييريا وهو متضح الفساد وإن قلنا بعدم بقاء التكليف حال الفعل كما يراه آخرون وهو الحق منعنا الاستلزام المذكور لأن عدم المطلوبية حال الفعل لا ينافي حصول الامتثال به على هذا القول وإنما المنافي له عدم مطلوبيته قبله ولا ريب أن جميع أفراد الواجب المخير متشاركة حينئذ في كونها مطلوبة على وجه التخيير قبل حصول البعض فيصح وقوع الكل على وجه المطلوبية وإن لم تكن مطلوبية حال الحصول فقد اتضح مما قررنا أن الواجب على القول المختار متعدد وعلى القول الآخر لا تعدد فيه فتظهر الثمرة بين القولين فيما لو نذر أن يأتي بواجبات متعددة في زمان أو مكان مخصوص فإن ذمته تبرأ بما لو أتى بالخصال فيه على الأول دون الثاني وفي مبحث النية فإنه يصح أن يتقرب بالخصوصية على الأول دون الثاني وفي مسألة اجتماع الأمر والنهي فإنه على ما قررنا يمتنع تعلق النهي التعييني بأحد أفراد الواجب المخير وأما على ما قرروه فيبتني جوازه وعدمه على كفاية تعدد الجهة وعدمها ومن نفي ثمرة النزاع فكأنه غفل عن ذلك أو لم يعتد بها واعلم أن الواجب التخييري قد يطلق على ما يتناول الواجبات التعيينية المترتبة كالخصال حيث تترتب والطهارة المائية والترابية فيقال الواجب التخييري إما ترتيبي أو غير ترتيبي والحق أن هذا الاطلاق مجاز إذ لا تخيير هناك أصلا نعم هناك بدلية من حيث إفادة الثمرة المقصودة كوقوع التكفير في الأول والاستباحة في الثاني ولعله لهذه العلاقة أطلق اللفظ عليه تتميم إذا ورد التخيير بين الأقل والأكثر فالظاهر من المقابلة في متفاهم العرف إرادة الأقل بشرط لا أي بشرط عدم لحوق الزيادة فيصح فيما إذا كان التخيير إيجابيا أن يكون كل واحد منهما واجبا على التخيير مطلقا ومن هذا الباب التخيير بين القصر والاتمام في مواضعه بناء على استحباب التسليم وعدم الاعتبار بالنية والتخيير بين التسبيحة الواحدة والثلاث في الركوع والسجود ونحوها مما يقع على التدريج والتخيير بين المسح بإصبع واحدة والثلاث ونحوه مما يقع دفعيا ولا يشكل حينئذ بلزوم تحصيل الحاصل ولا خروج الواجب المخير عن كونه واجبا مخيرا ولا وقوع الترجيح من غير مرجح وذلك لان الامتثال بالأقل مع وقوع الأكثر غير معقول