الشيخ حسين غيب غلامي الهرساوي

40

الإمام البخاري وفقه أهل العراق

عنه ، إِمَّا لعدم علمه بالحديث وقلّة المحفوظ منه ، وإِمّا إِعراضاً منه عن السُّنة ، كما يقول الناقمون عليه . وكان خصومه شنَّعوُا عليه : « أَنَّه أَجهل الناس بما كان ، وأَعلمهم بما لم يكن » ! . ( 1 ) واستند الكارهون لأبي حنيفة إِلى قول الله تعالى : ( يا أَيُّها الذينَ آمَنوُا لا تَسْأَلوُا عَن أَشياءَ إِنْ تُبدَ لَكُم تَسُؤْكُم ) . ( 2 ) كما استدلُّوا بما رواه جماعة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « وَكانَ ينهى عن عُقُوق الأُمَّهاتِ ، وَوَأَدِ البَنات ، ومنع وَهَاتِ » . ( 3 ) وفي رواية : « كان ينهى عن : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإِضاعة المال » . ( 4 ) وقال ابن عبد البر وابن القيم : « إِنَّ النهي عن السؤال في الآية ، والنهي عن كثرة السؤال ، فإن كانت بعيدة الوقوع أَو مقدَّرة لا تقع ، لم يستحبَّ له الكلام فيها ، وإِن كان وقوعها غير نادر ولا مُستبعد ، وغرض السائل الإِحاطة بعلمها ، ليكون منها على بصيرة إِذا وقعت ، استحب الجواب بما يعلم ، لا سيّما إِنْ كان السائل يتفقَّه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ويفرّع عليها ، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأَولى » . ( 5 ) وقال ابن عبد البر في باب الطعن على أَبي حنيفة : « كثير من أَهل الحديث استجازوا الطعن على أَبي حنيفة ، لردِّه كثيراً من أَخبار العدول ، لأنَّه كان يذهب في ذلك إِلى عرضها على ما أَجمع عليه من الأَحاديث ومعاني القرآن ، فما شذَّ عن ذلك ردَّه وسمّاه شاذَّاً . وكان مع ذلك يقول : الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمَّى إِيماناً ، وكل من قال من أَهل السُّنة : الإِيمان قول وعمل ينكرون قوله ، ويبدعونه ( 6 ) بذلك ، وكان مع ذلك

--> 1 - جامع بيان العلم 2 : 158 . 2 - المائدة 5 : 101 . 3 - صحيح البخاري 8 : 143 ، كتاب الإِعتصام ، باب ما يكره من كثرة السؤال . 4 - نفس المصدر السابق . 5 - أَعلام الموقعين 3 : 449 . 6 - عقد البخاري باب : « إِنَّ الإِيمان يزيد وينقص » ، فراجع .