محمد جواد مغنية

620

الفقه على مذاهب الخمسة

وإذا علمنا أن هذه القطعة كانت مواتا ، ولم يملكها مالك من قبل ، ثم اتخذها أهل القرية مقبرة ، كما هي الحال - في الغالب - فلن تكون وقفا من الأساس ، لا عاما ولا خاصا ، وانما تبقى على ما كانت مشاعا يحوزها من سبق ، فإذا دفن ميت في جزء منها لم يجز لغيره نبشه ، أو استعماله بما يستدعي الهتك . ولكن لأي إنسان أن يحيي أي جزء شاء من هذه القطعة بالذات ، يحييه بالعمارة ، أو الزراعة ، إذا كان خاليا من القبور ، أو كان فيه قبر قديم ، وقد صارت عظام صاحبه ترابا ، أو كالتراب . يجوز له ذلك تماما كما جاز له أن يحيي أرضا أعرض عنها ، أو هجرها من كان قد أحياها ، حتى عادت إلى ما كانت عليه قبل الأحياء . وإذا جهلنا الحال ، ولم نعلم بأن هذه القطعة التي استعملت مقبرة : هل كانت مملوكة ، ثم وقفها المالك ، حتى تكون الآن وقفا ، وتأخذ حكمه ، أو انها كانت في الأصل مواتا ، ثم جعلها أهل القرية مقبرة لموتاهم - إذا كان الأمر كذلك فلا تأخذ حكم الوقف ، لأن الأصل عدم الوقف ، حتى يثبت العكس بالبينة الشرعية . وتقول : ان الوقف يثبت بالشياع ، فلما ذا لا نثبت به وقف المقبرة ؟ وجوابنا انه إذا حصل الشياع بأن هذه المقبرة هي وقف ، كأن يتناقل جيل عن جيل ان فلانا وقفها مقبرة ، إذا كان هكذا فإنا نثبت الوقف قطعا . اما مجرد الشياع بأن هذه مقبرة فلا يجدي شيئا ، إذ المفروض إنا نعلم بالوجدان انها مقبرة ، وانه لم ينازع في ذلك منازع ، ولكن مجرد العلم بأنها مقبرة لا يثبت الوقفية ، إذ قد تكون مقبرة ، ولا تكون وقفا ، بل تكون مشاعا ، ومعلوم أن الخاص لا يثبت بوجود العام .