إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

350

الإعتصام

بمرأى من الناس أو في مواقعهم فإنهم الأصل في انتشار هذه الاعتقادات في المعاصي أو غيرها وإذا تقرر هذا فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه أحدها - وهو أظهر الأقسام - أن يخترعها المبتدع والثاني أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة فيفهمها الجاهل مشروعة والثالث أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار وهو قادر عليه فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة والرابع من باب الذرائع وهي أن يكون العمل في أصله معروفا إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى إلا أن هذه الاقسام ليست على وزان واحد ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ بل هي في القرب والبعد على تفاوت فالأول هو الحقيق باسم البدعة فإنها تؤخذ علة بالنص عليها ويليه القسم الثاني فإن العمل يشبهه التنصيص بالقول بل قد يكون أبلغ منه في مواضع - كما تبين في الأصول - غير أنه لا ينزل ها هنا من كل وجه منزلة الدليل أن العالم قد يعمل وينص على قبح عمله ولذلك قالوا لا تنظر إلى عمل العالم ولكن سله يصدقك وقال الخليل ابن احمد أو غيره : اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي * ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري ويليه القسم الثالث فإن ترك الإنكار - مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد ذلك منه إقرارا - يقتضى أن الفعل غير منكر ولكن يتنزل منزلة ما قبله لان الصوارف للقدرة كثيرة قد يكون الترك لعذر بخلاف الفعل فإنه لا عذر في فعل الإنسان بالمخالفة مع علمه بكونها مخالفة ويليه القسم الرابع لان المحظور الحالي فيما تقدم غير واقع فيه بالعرض فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تساوى رتبة الواقعة أصلا فلذلك كانت من باب الذرائع فهي إذا لم تبلغ أن تكون في الحال بدعة فلا تدخل بهذا النظر تحت حقيقة البدعة وأما القسم الثاني والثالث فالمخالفة فيه بالذات والبدعة من خارج إلا أنها لازمة لزوما عاديا ولزوم الثاني أقوى من لزوم الثالث والله أعلم .