إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
307
الإعتصام
فيه لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب فتحاموا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن ينسب إليها المكروه من البدع وقد قال الله تعالى « فماذا بعد الحق إلا الضلال » فليس إلا حق وهو الهدى والضلال وهو باطل فالبدع المكروهة ضلال وأما ثانيا فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض وإنما حقيقة المسالة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم - كما تقدم بيانه - وأما تعيين الكراهة التي معناها نفى إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء - إلى آخر ما قالوا فرد عليهم ذلك صلى الله عليه وسلم وقال من رغب عن سنتي فليس مني وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية ويعضد هذا الذي قاله مالك ما في البخاري عن قيس بن أبي حازم قال دخل على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها فقال حجة مصمتة قال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت الحديث الخ وقال مالك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام من نذر ان يعصى الله فلا يعصه إن ذلك أن ينذر لرجل أن يمشى إلى الشام وإلى مصر وأشباه ذلك مما ليس فيه طاعة أو أن لا أكلم فلانا فليس عليه في ذلك شيء إن هو كلمه لأنه ليس لله في هذه الأشياء