إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

299

الإعتصام

بحكم الشريعة المتقدمة . ولقد هم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرموا على أنفسهم ما أحل الله وإنما كان قصدهم بذلك الانقطاع إلى الله عن الدنيا وأسبابها وشواغلها فرد ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل « يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » وسيأتي شرح هذه الآية في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهو دليل على أن تحريم ما أحل الله - وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة - منهى عنه وليس فيه اعتراض على الشرع ولا تغيير له ولا قصد فيه الابتداع فما ظنك به إذا قصد به التغيير والتبديل كما فعل الكفار أو قصد به الابتداع في الشريعة وتمهيد سبيل الضلالة . فصل ومثال ما يقع في النفس ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى - في زعمهم - والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ومبنى على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالهم حكى المسعودي وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك وقد وقع القتل في العرب الجاهلية ولكن على غير هذه الجهة وهو قتل الأولاد لشيئين أحدهما خوف الإملاق والآخر دفع العار الذي كان لاحقا لهم بولادة الإناث حتى أنزل الله في ذلك قوله تعالى « ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم » - وقوله تعالى - « وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت » - وقوله - « وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا » الآية وهذا القتل محتمل أن يكون دينا وشرعه ابتدعوها ويحتمل أن يكون عادة تعودوها بحيث لم يتخذوها شرعة إلا أن الله تعالى ذمهم عليها فلا يحكم عليها بالبدعة بل بمجرد المعصية فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا يكون هو الأولى في حمل الآيات عليه فوجدنا قوله سبحانه وتعالى « وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم » فإن الآية