إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

506

الإعتصام

بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين ، واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل . ولنذكر لذلك عشرة أمثلة : أحدها : وهو أشدها ، قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين هو المرجوع إليه دون غيره ، حتى ردوا بذلك براهين الرسالة ، وحجة القرآن ودليل العقل فقالوا : « إنا وجدنا آباءنا على أمة » الآية . فحين نبهوا على وجه الحجة بقوله تعالى : « قل : أو لو جئتم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم » لم يكن لهم جواب إلا الإنكار ، اعتمادا على اتباع الآباء واطراحا لما سواه ، ولم يزل مثل هذا مذموما في الشرائع ، كما حكى الله عن قوم نوح عليه السلام بقوله تعالى : « ولو شاء الله لأنزل ملائكة ، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين » وعن قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى : « قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون » إلى آخر ذلك مما في معناه فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا واعتقدوا أن الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم والثاني رأى الإمامية في اتباع الإمام المعصوم - في زعمهم - وإن خالف ما جاء به النبي المعصوم حقا وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكموا الرجال على الشريعة ولم يحكموا الشريعة على الرجال وإنما أنزل الكتاب ليكون حكما على الخلق على الإطلاق والعموم والثالث لاحق بالثاني وهو مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت بل جعلوا أكثر ذلك إنفحة في عقد إيمانهم من خالفها كفروه وجعلوا حكمه الكافر الأصلي وقد تقدم من ذلك أمثلة والرابع رأى المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم حتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير وفوقوا إليه سهام النقد وعدوه من الخارجين عن الجادة والمفارقين للجماعة من غير استدلال منهم بدليل بل بمجرد الاعتياد العامي .