إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

492

الإعتصام

أحدهما أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضد القضية هو الموافق للأدلة فلا معدل عنه ولذلك قال اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على تقدم الشرع على العقل والثاني أنه إذا وجد في الشرع أخبارا تقتضى ظاهرا خرق العادة الجارية المعتادة فلا ينبغي له أن يقدم بين يديه الإنكار بإطلاق بل له سعة في أحد أمرين إما أن يصدق به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى عالمه وهو ظاهر قوله تعالى « والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا » يعنى الواضح المحكم والمتشابه المجمل إذ لا يلزمه العلم به ولو لزم العلم به لجعل له طريق إلى معرفته وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وإما أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر لان إنكاره إنكار لخرق العادة فيه وعلى هذا السبيل يجرى حكم الصفات التي وصف الباري بها نفسه لأن من نفاها نفى شبه صفات المخلوقين وهذا منفى عند الجمهور فبقى الخلاف في نفى عين الصفة أو إثباتها فالمثبت أثبتها صفة على شرط نفى التشبيه والمنكر لأن يكون ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت أمر إلا على وفق المعتاد فإن قالوا هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة كقوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن الجميع أنكروا ظاهره إذ العقل والمحسوس يشهدان بأنها غير مرفوعة وأنت تقول اعتقدوا أنها مرفوعة وتأولوا الكلام قيل لم نعن ما هو منكر ببداهة العقول وإنما عنينا ما للنظر فيه شك وارتياب كما نقول إن الصراط ثابت والجواز عليه قد أخبر الشارع به فنحن نصدق به لأنه إن كان كحد السيف وشبهه لا يمكن استقرار الإنسان فوقه عادة فكيف يمشى عليه فالعادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار والذين ينكرونه يقفون مع العوائد وينكرون أصل الصراط ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق العوائد فإن فرقوا صار ذلك تحكما لأنه ترجيح في أحد المثلين دون الآخر من غير مرجح عقلي وقد صادفهم النقل فالحق الإقرار دون الإنكار .