إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

463

الإعتصام

كذلك الكلب الذي في أمراض الأعمال فمنها ما يمكن فيه التوبة عادة ومنها ما لا يمكن فالمعاصي كلها - غير البدع - يمكن فيها التوبة من أعلاها - وهي الكبائر - إلى أدناه - وهي اللمم - والبدع أخبرنا فيها إخبارين كلهما يفيد أن لا توبة منها الإخبار الأول ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له من غير تخصيص والآخر ما نحن في تفسيره وهو تشبيه البدع بما لا نجح فيه من الأمراض كالكلب فأفاد أن لا نجح من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء عموم بل اقتضى أن عدم التوبة مخصوص بمن تجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه وقد مر أن من أولئك من يتجارى به الهوى على ذلك الوجه وتبين الشاهد عليه ونشأ من ذلك معنى زائد هو من فوائد الحديث - وهي : المسألة الرابعة والعشرون : وهو أن من تلك الفرق من لا يشرب هوى البدعة ذلك الإشراب فإذا يمكن فيه التوبة وإذا أمكن في أهل الفرق أمكن فيمن خرج عنهم وهم أهل البدع الجزئية فإما أن يرجح ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث لأن هذه الرواية في إسنادها شيء وأعلى ما يجرى في الحسان وفي الأحاديث الأخر ما هو صحيح كقوله يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون كما لا يعود السهم على فوقه وما أشبه وأما أن يجمع بينهما فتجعل النقل الأول عمدة في عموم قبول التوبة ويكون هذا الإخبار أمرا آخر زائدا على ذلك إذ لا يتنافيان بسبب أن من شأن البدع مصاحبة الهوى وغلبة الهوى للإنسان في الشيء المفعول أو المتروك له أبدا أثر فيه والبدع كلها تصاحب الهوى ولذلك سمى أصحابها أهل الأهواء فوقعت التسمية بها وهو الغالب عليهم إذ العمل المبتدع إنما نشأ عن الهوى مع شبهة دليل لا عن الدليل بالعرض فصار هوى يصاحبه دليل شرعي في الظاهر فكان أجرى في البدع من القلب موقع السويداء فاشرب حبه ثم إنه يتفاوت إذ ليس في رتبة واحدة ولكنه تشريع كله واستحق صاحبه أن لا توبة له عافانا الله من النار بفضله ومنه .