إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
458
الإعتصام
والسواد الأعظم وهي الخاصية التي ظهرت في الخوارج وسائر من كان على رأيهم ومثل ما حكى ابن العربي في العواصم قال أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نيسابور فعقد مجلسا للذكر وحضر فيه كافة الخلق وقرأ القارئ « الرحمن على العرش استوى » قال لي أخصهم من أنت - يعنى الحنابلة - يقومون في أثناء المجلس ويقولون قاعد قاعد بأرفع صوت وأبعده مدى وثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري ومن أهل الحضرة وتثاور الفئتان وغلبت العامة فأجحروهم إلى المدرسة النظامية وحصروهم فيها ورموهم بالنشاب فمات منهم قوم وركب زعيم الكفاة وبعض الدادية فسكنوا ثورانهم فهذا أيضا ممن اشرب قلبه حب البدعة حتى أداه ذلك إلى القتل فكل من بلغ هذا المبلغ حقيق أن يوصف بالوصف الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بلغ من ذلك الحرب وكذلك هؤلاء الذين داخلوا الملوك فأدلوا إليهم بالحجة الواهية وصغروا في أنفسهم حملة السنة وحماة الملة حتى وقفوهم مواقف البلوى وأذاقوهم مرارة البأساء والضراء وانتهى بأقوام إلى القتل حسبما وقعت المحنة به زمان بشر المريسي في حضرة المأمون وابن أبي دؤاد وغيرهما فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها هذه المناصبة فهو غير مشرب حبها في قلبه كالمثال في الحديث وكم من أهل بدعة لم يقوموا ببدعتهم قيام الخوارج وغيرهم بل استتروا بها جدا ولم يتعرضوا للدعاء إليها جهارا كما فعل غيرهم ومنهم من يعد في العلماء والرواة وأهل العدالة بسبب عدم شهرتهم بما انتحلوه فهذا الوجه يظهر أنه أولى الوجوه بالصواب وبالله التوفيق . المسألة الحادية والعشرون : إن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص وذلك أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جدا ومنها ما لا يكون كذلك فالبدعة الفلانية مثلا من شأنها أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب